منوعات

كان زوجي

انتهت الكلمات، وبقي الصمت في البيت ثقيلًا كالړصاص. قام فؤاد فورًا إلى الغرفة، وفتح المكان المذكور، وأخرج ورقة قديمة ومجموعة من المستندات. عاد بها إلى الطاولة، وحين قرأها بدت عليه علامات الصدمة والذهول.
هذا ليس مجرد دليل عليه فقط، قال بصوت مهتز. هذا يربطه بكل ما حدث طوال السنوات الماضية، بما في ذلك الحاډث الذي كاد يقتلنا. محمود كان يجمع هذا طوال الوقت، كان يستعدّ لهذا اليوم، ولم يخبرني حتى لا أقلق.
نظرت هاجر إليه بعزمٍ بدأ ينبت في قلبها كالنبات بعد المطر إذًا لا ينبغي أن نجلس وننتظر.

يجب أن نحمي أنفسنا، وأن نجد محمود، وأن نُنصف كل من ظُلم.
في الصباح الباكر، لم ينتظروا شيئًا. سلم فؤاد جزءًا من المستندات إلى جهات يثق بها، واتصل بمن يمكنه المساعدة، بينما بقيت هاجر مع أطفالها في مكان آمن لم يخبّئه أحد غير محمود نفسهبيت عجوز كانت تسكن في حيّ آخر، وكانت تعرف محمودًا منذ صغره وتعزه كولدها.
مرت الأيام ثقيلة، كل ساعة فيها كأنها سنة. كان فؤاد يتنقل بين الأماكن، يبحث، يسأل، يتابع الخيوط التي بدأت تتكشف. وفي كل ليلة كان يأتيها ويخبرها بما توصل إليه، ولم يخبّئ عنها شيئًالا سيئًا ولا جيدًا.

وفي اليوم السابع، جاءها وجهه ليس مشرقًا تمامًا، لكنه لم يكن حزينًا كالسابق. قال لها وهو يتنفس بعمق وجدته. هو في المستشفى، في مكان بعيد قليلًا. لقد تعرض لضړب شديد، وكان محتجزًا لديهم في مكان معزول، لكنه حيّ يا هاجر. محمود حيّ.
لم تستطع هاجر أن تتكلم، فقط أغمضت عينيها وشكرت الله من أعماق قلبها، وسقطت دموعها هذه المرة دموع فرح لا حزن.
سافرت معه فورًا، وحين دخلت الغرفة
التي كان فيها محمودنائمًا على السرير، وجهه به چروح وآثار، لكنه يتنفساقتربت منه ببطء وكأنها تخشى أن يطير إذا مسّته. أمسكت بيده الدافئة، وقالت بصوتها الرقيق لقد جئتُك.

أنا هنا. والأطفال بخير. وفؤاد معنا.
فتح محمود عينيه ببطء، ورآها، ورأى فؤاد يقف خلفها، فابتسمتلك الابتسامة الهادئة نفسهاوقال بصوت ضعيف قلت لكم سيكون كل شيء بخير.
بقيت بجانبه أيامًا حتى تحسّن حاله، وكان فؤاد يزوره كل يوم، ويجلس معه لساعات يحدثانه عن كل ما حدث، وكيف أن الدليل الذي تركه كان كافيًا لإنزال العدالة بمن ظلمهم. لم يعد كريم ورجاله يملكون سلطة عليهم، فقد سقط سقفهم فوق رؤوسهم بفعل الحق الذي أخفاه محمود سنوات طويلة.
عادوا جميعًا إلى بغداد، وإلى بيتهم الصغير الذي لم يتغير شيء فيه سوى أن الدفء أصبح أعمق، والروابط أشدّ.

لم يعد محمود يخفي شيئًا، ولم يعد فؤاد غريبًا عن البيتأصبح للأطفال عمّهم الذي يزورهم ويجلس معهم، ويأتي لهم بالهدايا والضحكات، ويقول لهم دائمًا أخو أبيكم، وأخو أمكم، وأنا لكم جميعًا.
ذات يوم، جلست هاجر بجانب محمود على سطح البيت حين هدأت الدنيا، ونظرت إلى الزقاق المظلم الذي كان يملأها الخۏف فيه ذات ليلة، وقالت له كنتَ تحمل كل هذا وحدك، ولم تخبرني قطّ.
أخذها بيده وقبّل جبينها كنتُ أريد أن أعطيكِ حياة بسيطة يا هاجر، بعيدًا عن كل هذا العناء. لكن الحياة لا تسير دائمًا كما نريد.

والجميل فيها أننا حين نكشف الحقيقة، نجد أننا لم نكن وحدنا أبدًا. كان فؤاد معنا، والله معنا، وأنتِ كنتِ أقوى مما أتوقّع.
ومن بعيد، وقف فؤاد ينظر إليهما بابتسامة، وعرف أن العدالة لا تأتي دائمًا بصوت عالٍ، بل تأتي أحيانًا كرجل يترك رقمًا على ورقة، وكلمة أخي حين لا يكون هناك إخوة.
انتهى الخۏف من بيت هاجر، وبقي المعروف يتوارث جيلًا بعد جيل، ويعلم الأولاد أن الأخوة ليست پالدم دائمًا، بل هي بالوفاء والصدق والوقوف بجانب من يحتاج إليكحتى في ليلةٍ ممطرة في بغداد، حين لا يملك أحدكم سوى الرقم المكتوب بخط اليد، والأمل الذي لا ېموت.

وما زالت هاجر تحتفظ بتلك الورقة القديمة، لا لشيء إلا لتعرف أن وراء كل كلمة صغيرة يقولها من نحبّ، قد يكمن سرّ عظيم، ومعروفٌ لا يُحصى، وأخٍ سوف يأتيك قبل أن تدقّ الباب بنفسه

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى