أحمد هز راسه من غير كلام، وأخد منى والعيال وركبوا العربية ورجعوا لعمارة العيلة وسط زغاريد الحريم وضجة الفرح.. الدبيحة اتدبـ,ـحت تحت رجل منى، والحاجة فاطمة استقبلتها بالأحضان والقبلات وكأنها بنتها الغالية. طلعت منى شقتها، انبهرت بالنظافة والدهان الجديد والأجهزة اللي كانت بتحلم بيها.. دخلت أوضتها، وقفلت الباب وراها هي وأحمد عشان يبقوا لوحدهم لأول مرة من سنتين. منى لفت وشها لأحمد والابتسامة على وشها وقالت بصوت كلو حنين: “نورت بيتك يا أحمد.. وحشتني”.
أحمد مبصلهاش؛ قعد على السرير، وبص للأرض بملامح جافة وقاسية زي الحجر، وقال بصوت واطي ومرعب: “الشقة اتوضبت، والفلوس في جيبك، والشرط اتكتب يا بنت مكرم.. إنتي أخذتي حقك تالت ومتلت بالرجالة والمحاكم.. بس افتكري إن من اللحظة دي، إنتي ليكي شروطك وفلوسك، وأنا ليا كرامتي.. والسن اللي فاضل لي في الكويت، هسافره بعد يومين، والخرس اللي كنتِ بتشتكي منه.. هتشوفي الحقيقي منه من هنا ورايح!”. منى اِتسمرت في مكانها، والابتسامة اِتمحت من وشها.. وعرفت إن الحـ,ـرب مخلصتش بمجلس الحق، وإن اللعبة الحقيقية لسه هتبدأ في الجزء الأخير!
الجزء التاسع (الأخير والحكمة): نزلت كلمات أحمد على منى زي الصاعقة في ليلة كان من المفترض إنها ليلة عودتها لبيت الزوجية منتصرة. بصت حواليها في الشقة اللي بقت بتلمع من النظافة والدهان الجديد، وحست إن الجدران بتضيق عليها من تاني.. الفلوس والمصالح اتصلحت، بس روح البيت وجوزها مـ,ـاتوا من جواه.
أحمد قفل جنطته الصغيرة، وفي اليومين اللي وراهم كان بيتحرك في الشقة زي الخيال.. بيبوس العيال ويملا إيدهم باللعب، لكن أول ما عينه تيجي في عين منى، كان بيلف وشه بجفاء وينطق بكلمات ناشفة على قد السؤال والجواب. حماتها الحاجة فاطمة كانت بتطلع تبص عليهم، ولما تلاقي الوجوم والصمت مغيم على الشقة، كانت تنزل لولادها تحت وتبتسم ابتسامة النصر وهي بتقول: “الشرط والرجالة يجيبوا الفلوس يا ولاد، بس مبيجيبوش المحبة.. البت خدت ورق، بس خسرت جوزها للأبد”.
وجاء يوم السفر.. أحمد واقف عند الباب ماسك شنطته، والعيال متعلقين في رجله بيبكوا. منى وقفت بعيد، وعينيها كانت مليانة دموع بس المرة دي مكنتش دموع انكسار، كانت دموع وعي وفهم. قربت منه خطوتين وقالت بصوت هادي وراسي هز كيانه: “مع السلامة يا أحمد.. سافر وشوف شغلك، والقرش اللي أنت كاتبه على نفسك هيوصلني أول كل شهر، وده حق عيالك.. بس افتكر حاجة واحدة، أنا لما رحت للحاج عبد الحميد، مروحتش عشان ألوي دراعك ولا أكسر كرامتك.. أنا رحت عشان أنت كنت ناسيني وسايبني للي ميرحمنيش..
أنا رحت عشان كنت فاكرة إن ورايا راجل غايب بس بيحميني، ولما لقتك قفلت ودنك وتليفونك، رحت أدور على الضهر اللي يحميني ويحمي عيالك من بهدلة الأيام.. كرامتك اللي أنت زعلان عليها، أنا صنتها في غيابك سنتين كاملين في عمارة أهلك ومسمحتش لغريب يلمح طرفي.. صنتها بمرتبي وشقايا.. ولما أنت تختار الخرس والعند، فده اختيارك أنت مش اختياري أنا”.
أحمد بص لها، وكلماتها خبطت في قلبه زي الرصاص.. حس لأول مرة إن كلام أمه كان غشاوة على عينيه، وإن منى مكسـ,ـرتوش قدام الناس، دي نجت بنفسها وبعياله من مرارة الفقر والحاجة في وقت هو كان ملهي فيه بكلام عيلته. مشي من غير ما يرد، بس الخطوات بتاعته كانت تقيلة وهو نازل السلم.
مرت الشهور.. والتحويل الشهري كان بيوصل لمنى أول كل شهر بالحرف وبأعلى قيمة، والشقة كانت في كامل أمانها ومحدش من العيلة بقا يجرؤ يوجع منى بكلمة خوفاً من سيف الحاج عبد الحميد.. منى كملت في شغلها، وربت عيالها أحسن تربية، وبقت عايشة معززة مكرمة في بيتها.. وأحمد في غربته، مع مرور الليالي والوحدة، بدأ يكتشف إن العند مبيأكلش عيش، وإن مرته اللي صانته وصانت عياله وطلبت حقها بالأصول هي أكتر واحدة باقية عليه.. وبدأ الشات اللي بينهم يرجع يتفتح بالتدريج، بس المرة دي برسائل ود وسؤال من أحمد، مش بدموع ورجاء من منى.
### الحكمة من القصة: 1. **المرأة ليست مقطوعة من شجرة:** البيوت لا تُبنى على استضعاف النساء، والزوج العاقل هو اللي يعلم إن مراته وراها رب يحميها قبل أهله وناسها، وإن صمت السند وغيابه بيجبر الست تدور على ضهر يحميها.. والسايبة دايماً وراها متبوع. 2. **صوت الحق أقوى من العند:** المجالس العرفية والأصول وكبار البلد هما صمام الأمان في مجتمعاتنا الصعيدية والعربية.. الحق لما بيتاخذ بالشرع والأصول بيحفظ كرامة البيوت وبيمنع خرابها، والرجوع للحق فضيلة مش كسر للرجل.
3. **كلام الأهل ليس دائماً مقدساً:** طاعة الوالدين واجبة، ولكن في حدود العدل وشرع الله.. الزوج اللي بيسمع كلام أهله في خراب بيته واستخسار اللقمة في عياله ومراته بداعي العند، بيخسر في الآخر بيته وكرامته واستقراره.. والمرأة الموظفة ذمتها المالية مستقلة، وشغلها لمساعدتها وليس لرفع مسؤولية النفقة عن كاهل الرجل.