قعدت تقريبًا 3 ساعات في أتوبيس بين المحافظات، وكل شوية واحد غريب كان بېلمس رجلي بطرف جزمته، وأنا مسافرة مع ابني عشان نزور حمايا اللي حالته الصحية خطېرة.
وقبل محطتنا بشوية، حط في إيدي من غير ما حد ياخد باله منديل رمادي، وهمسلي
اعملي نفسك دايخة… ومهما حصل، إوعي تمضي على أي حاجة.
قفلت إيدي على المنديل، وما نطقتش بكلمة.
ابني آدم، عنده 9 سنين، كان نايم وهو مسند راسه على كتفي. ولما الراجل الغريب قام وراح ناحية باب الأتوبيس، فتحت المنديل، ولقيت جواه ورقة صغيرة متنية.
كان مكتوب عليها
ماتثقيش في أي حد موجود في بيت حسن الشناوي.
حسن كان حمايا.
الليلة اللي فاتت، حماتي نادية اتصلت بيا وهي بټعيط. قالتلي إن حسن حالته بقت خطېرة جدًا، وإنه نفسه يشوف حفيده للمرة الأخيرة.
بعد ۏفاة جوزي محمود، بقيت تقريبًا مش بروح بيتهم الكبير اللي في البلد.
لكن المرة دي مقدرتش أرفض.
وصلنا بأتوبيس بدري الصبح.
وأول ما التاكسي وقف قدام البوابة، حسيت إن في حاجة مش مظبوطة.
كان كريم، أخو محمود الأصغر، واقف مستنينا جنب عربية SUV سودا.
يا سارة! أخيرًا وصلتي.
قالها وهو بيحضن آدم بحرارة مبالغ فيها، لدرجة إن ابني اتشد مكانه واتوتر.
سألته
جدو حالته وحشة أوي؟
كريم سكت ثانية، وبص على شنطتي.
وبعدين قال
ادخلي… هتعرفي بنفسك.
حسيت بالمنديل المتني في جيبي.
ماتمضيش على حاجة.
دخلنا البيت.
ريحة الأكل كانت مالية المكان، ومن الأوضة الكبيرة كانت أصوات ناس كتير جاية.
كنت متوقعة أشوف سرير، أدوية، وحمايا حسن تعبان ومش قادر يتحرك.
لكن اللي شوفته كان مختلف تمامًا.
حسن كان قاعد على السفرة.
وشه شاحب، وباين عليه التعب… لكنه كان صاحي وواعي تمامًا.
والأغرب إنه ماكانش لوحده.
كان حواليه أكتر من عشرة من قرايبه.
آدم مسك إيدي بقوة أكتر.
واحد من أعمامه فضل يبصله شوية، وبعدين قال
الواد ده هو وريث عيلة الشناوي.
بصيت لحسن.
لكنه نزل عينه في الأرض.
على العشا، تقريبًا محدش سأل عن محمود.
لكن كان في كلام بيتكرر طول الوقت
لازم نحافظ على أصول العيلة.
مينفعش نوزع الحصص.
لازم نتصرف صح في اللي محمود سابه.
وبعدين كريم قالها كده بمنتهى الهدوء
الأرملة الشابة بعد الصدمة اللي مرت بيها مش هتقدر تتعامل بعقلانية مع أمور مالية كبيرة.
ما رديتش.
وما رديتش برضه لما واحدة من قرايبهم بدأت تتكلم عن إن آدم محتاج ناس كبار عندهم خبرة.
وما اتكلمتش حتى لما كريم اقترح إننا نخلص الورق بهدوء تاني يوم الصبح.
فضلت ساكتة… وبسمع بس.
والمنديل اللي في جيبي بدأ يحسسني إنه مفتاح لحاجة أكبر بكتير من اللي أنا فاهمها.
في وقت متأخر من الليل، آدم نام في الأوضة اللي خصصوها لينا.
خرجت أجيب مية.
وأنا معدية جنب أوضة صغيرة، سمعت صوت كريم.
وقفت مكاني.
كان بيقول
هي لازم تمضي بكرة. من غير توقيعها مش هنعرف نوصل للحصص.
اتجمدت.
وبعدين سمعت صوت حسن، واطي لكنه حازم
ماتدخلش الولد في الموضوع.
بعدها صوت نادية.
صوتها كان بيرتعش
إحنا مخبيين الحقيقة دي أكتر من عشرين سنة…
رجعت لورا بسرعة قبل ما حد يحس إني واقفة ورا الباب.
تاني يوم الصبح، كريم كان مستنيني في السفرة.
وقدام الكرسي بتاعي كانت فيه رزمة ورق كبيرة.
ابتسم وقال
مفيش حاجة معقدة. دي مجرد اتفاقية لإدارة أملاك آدم.
وبعدين زق القلم ناحيتي.
امضي… ده عشان مستقبل ابنك.
مسكت أول ورقة.
الكلام كان معقد، لكن بعد اللي سمعته امبارح، كام سطر بس كانوا كفاية يخلوني ماأستعجلش.
رفعت عيني وبصيت لكريم.
ليه من غير توقيعي مش هتعرفوا توصلوا لحصص محمود؟
ابتسامته اختفت.
إنتِ فهمتي غلط.
طيب فهمني صح.
يا سارة، ماتعمليش مشكلة.
حسن، اللي كان ساكت طول الوقت، قام فجأة.
وقال بصوت حاسم
كفاية.
كريم لف
ناحيته.
بابا…
حسن دخل إيده في الجيب الداخلي للجاكت بتاعه، وطلع ظرف أصفر سميك.
مشى ناحيتي.
وبصلي في عيني.
يا سارة…
سكت لحظة، وبعدين قال
أعتقد إن الوقت جه تعرفي محمود ساب إيه وراه فعلًا.
وحط الظرف في إيدي.
حط حسن الظرف في إيدي، لكن قبل ما أفتحه، بصلي بصّة غريبة خلت قلبي ينقبض.
بصة واحد مستني حكم.
مش بصة راجل بيسلّم مرات ابنه ورق ميراث.
بصة راجل شايل سر تقيل، ومستني اللحظة اللي السر ده يطلع للنور.
بصيت للظرف.
وبعدين بصيت له.
إيه ده؟
حسن خد نفس طويل.
الحقيقة.
كريم ضړب بإيده على الترابيزة.
بابا، كفاية بقى!
حسن لف له.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت البيت، شفت ڠضب حقيقي في عينيه.
إنت اسكت.
كريم سكت.
نادية كانت واقفة عند باب السفرة، ودموعها نازلة من غير ما تحاول تمسحها.
قلبي بدأ يدق أسرع.
فتحت الظرف.
أول حاجة وقعت قدامي كانت صورة قديمة.
صورة محمود.
جوزي.
كان واقف قدام عربية قديمة، لابس قميص أبيض، وشكله أصغر بكتير من آخر مرة شوفته فيها.
لكن اللي شدني مش محمود.
كان الولد اللي واقف جنبه.
ولد صغير، يمكن عنده سبع أو تمن سنين.
بصيت للصورة أكتر.
وبعدين قلبتها.
كان مكتوب وراها بخط إيد
محمود وآدم 2014.
اتجمدت.
آدم؟
ابني؟
بصيت لحسن.
إيه علاقة ابني بالصورة دي؟
حسن ما ردش.
طلعت ورقة تانية.
وبعدين تالتة.
وبعدين شهادة ميلاد.
إيدي بدأت تترعش.
الاسم المكتوب كان
آدم محمود حسن الشناوي.
شهقت.
دي شهادة ميلاد ابني.
حسن هز راسه.
عارف.
أمال إيه اللي ناقص؟
نادية قربت مني.
سارة… إحنا لازم نحكيلك كل حاجة.
بصيت لها بحدة.
من عشرين سنة إنتوا مخبيين إيه؟
نادية قعدت على أقرب كرسي.
وحطت إيديها على وشها.
محمود ماكانش مجرد ابن حسن.
سكتت.
كان وريث العيلة.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة التوتر.
أنا عارفة إنه ابنه.
حسن قال بهدوء
مش ده قصدي.
رفع عينه لي.
محمود كان الوحيد اللي رفض يدخل في شغل العيلة.
كريم اتحرك بعصبية.
بابا، ما تفتحش الكلام ده.
حسن تجاهله.
عيلة الشناوي عندها أراضي وشركات وحسابات واستثمارات أكتر بكتير من اللي إنتِ متخيلاه.
بصيت للورق.
وده يخصني في إيه؟
حسن رد
يخصك لأن محمود قبل ما ېموت، كتب وصية.
سكت.
حسيت إن وداني بتطن.
وصية؟
أيوه.
ومحدش قال لي؟
حسن بص لكريم.
كريم بلع ريقه.
الوصية الأصلية كانت محفوظة عند محامي محمود.
فينها؟
حسن رد
اختفت.
سكت الكل.
اختفت إزاي؟
محدش رد.
بصيت لكريم.
هو بص بعيد.
ساعتها بدأت أفهم.
مش كل حاجة.
بس كفاية إني أعرف إن الشخص اللي قعد قدامي الصبح وحاول يخليني أمضي، كان عارف أكتر بكتير مما بيقول.
وقبل ما أتكلم، حسن طلع ورقة صغيرة من الظرف.
دي نسخة من خطاب محمود.
فتحتها.
الخط كان خط جوزي.
وأول سطر خلاني أحس إن الأرض اتحركت من تحتي
لو سارة بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا غالبًا مش موجود.
وقفت عن القراءة.
إيدي غطت بقي.
نادية بدأت ټعيط.
كملت.
سارة، لو وصل لك الخط ده، أوعى تثقي في أي ورقة حد يحطها قدامك. أوعى توقعي على أي حاجة تخص آدم أو ممتلكاته من غير محامي من اختيارك.
شهقت.
نفس الكلام.
نفس التحذير اللي الراجل الغريب قالهولي في الأتوبيس.
كملت القراءة.
أنا عارف إن بعد مۏتي ناس كتير هتحاول تقنعك إن الموضوع كله فلوس.
بس الموضوع مش فلوس.
قلبت الصفحة.
وكان فيه سطر واحد
لو حاولوا ياخدوا آدم، افتكري إن السبب مش عشان هو حفيدي.
بصيت لحسن.
يعني إيه؟
حسن قال
كملي.
قلبت الصفحة.
آدم هو الوريث القانوني لشيء أكبر من كل اللي في البيت ده.
سكت.
وبعدين قرأت الجملة اللي بعدها
ووالده الحقيقي مش هو الشخص اللي كل الناس فاكرينه.
الورقة وقعت من إيدي.
ماقدرتش أتنفس.
بصيت لحسن.
محمود مش والد آدم؟
نادية اڼهارت في العياط.
كريم بصلي.
حسن قرب مني.
محمود كان أبوه قدام الناس.

