سافرت الخليج بعد جوازنا بشهرين لكي أبنيلنا مستقبلاً أفضل كما كنت أردد دائماً، وتركت “فاطمة” بمفردها في شقة إيجار بسيطة، ولم يكن لها ونيس سوى مكالمة هاتفية قصيرة كل يوم جمعة، ومصاريف شهرية مخصصة على قد الإيجار واحتياجات الطعام الأساسية، تحت حجج واهية بأنني أدخر كل قرش لنشتري شقة تمليك ونبدأ حياتنا الحقيقية معاً.
مرت السنين وفاطمة تتحمل وحدها أعباء الحياة وظروفها القاسية بصبراً لم تشكُ منه قط، لدرجة أنها باعت مصوغاتها الذهبية ومنحت ثمنها لوالدتي عندما طلبت منها المساعدة في مصاريف عملية والدي، واكتفت بالعمل في الخياطة والتفصيل طوال الليل حتى لا تطلب مني أي زيادة مالية عما أرسله.
في غمرة انشغالي بالعمل في الخارج، تعرفت على “نورهان”، مديرة قسم الحسابات بالشركة، بجمالها وأناقتها ومركزها الاجتماعي المرموق. تدريجياً، تقاربنا حتى تزوجتها سرا ً مستغلاً مكانتها وعلاقاتها التي فتحت لي أبواباً لفرص استثمارية ضخمة خارج الشركة، فجمعت ثروة طائلة خلال عامين فقط. انتقلت للعيش معها في كومباوند فخم، وتنقلنا بين السفر والهدايا باهظة الثمن، وكلما تذكرت “فاطمة” وطيبتها المفرطة وبساطتها، كان شعور بالذنب يتسلل إلى داخلي، فكنت أهرب من هذا الشعور بتقليل اتصالاتي بها والتهرب بحجة ضغط العمل المستمر.
قررت نورهان العودة إلى مصر للاستثمار العقاري وشراء فيلا واسعة في منطقة التجمع، ونزلت معها وأنا أنوي إنهاء بعض الأوراق ثم السفر دون علم فاطمة، على أن أرسل لها طلاقها لاحقاً مع مبلغ مالي زهيد كنوع من تسوية الأمور. لكن خططتي انهارت عندما لاحظت نورهان توتري المستمر، وبذكائها وحيلها اكتشفت أمر زواجي الأول القائم في مصر. ثارت نورهان بغضب شديد وأعلنت شرطها الحاسم: “هتيجي معايا لفاطمه، وتنهي هذه الزيجة قدام عيني عشان أتأكد إنك صادق معايا، يا إما ورقتي توصلي الليلة”.
أمام خوفي من خسارة حياتي الجديدة مع نورهان، رضخت لطلبها وتوجهنا معاً إلى العمارة القديمة في الحي الشعبي حيث تقيم فاطمة. صعدنا السلم، وكان صوت خطوات نورهان الواثقة يتردد في المكان، بينما كان الخوف والتردد يملآن قلبي. خبطت على الباب الخشبي القديم، وما هي إلا لحظات حتى فتحت فاطمة وهي تربط شعرها بإيشارب بسيط ووجهها يكسوه التعب والسهر. ما إن رأَتني حتى لمعت عيناها بدموع الشوق والفرحة وصرخت بحرارة: “حبيبي! جيت إمتى من غير ما تقولي؟ حمد لله على سلامتك يا غالي!”
والمفاجأة أن فاطمة مدت يدها لتستقبلني بحرارة، فوقفت نورهان متأهبة بملامح باردة وصارمة، ووجدت نفسي أنفذ ما طُلب مني بقسوة غريبة، فدَفعت يد فاطمة بجفاء وقلت بصوت عالٍ ليسمعه الجيران: “فاطمة.. دي نورهان مراتي وشريكة حياتي.. وأنتِ طالق، وخدي هدومك شوفي طريقك”. وقعت الكلمات كالصاعقة، وتحولت نظرة الفرحة في عيون فاطمة إلى صدمة عميقة وجمدت الدموع في عيناها من قسوة الموقف.
تقدمت نورهان بخطوات هادئة وتحدثت بنبرة تعالي واضحة تخلو من أي إهـ,ـانة جـ,ـارحة لكنها تحمل البرود التام، وقالت: “لقد انتهى وقت هذه الحياة، وجاء الوقت لتفهمي الواقع وتغادري المكان بهدوء”. نظرت فاطمة إليّ تبحث في عينيّ عن أي أثر للرجولة أو الشهامة التي عهدتها في الرجل الذي ضحت بسين عمرها من أجله، لكنني وقفت صامتاً مطأطئ الرأس في أركان الجبن والهروب، خائفاً من غضب نورهان.
أدركت فاطمة حينها حجم الخذلان، فلم تصرخ ولم ترد بإساءة، بل تنفست بعمق وراحت تجمع أشياءها الخاصة في صمت مهيب يكسوه الكبرياء والعزة بالنفس. وحين نظرت إليّ نظرتها الأخيرة قبل أن تلتفت وتغادر المكان بخطوات ثابتة، شعرت بأن جدران المكان تضيق عليّ، وبأن الجبن الذي تملّكني قد أفقرني روحياً، وتركنى أقف وحدي محاصرًا بضمير يعاتبني على خذلان الإنسانة الوحيدة التي أحبتني بصدق وبذلت عمرها من أجلي. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
لكن عشان تسند على الباب الموارب اللي كان شاهد على ليالي بكاها وسهرها عشاني. رفعت وشها بهدوء غريب ومرعب، عينيها اللي كانت بتبكي نشفت منها الدموع فجأة، وبصت لنورهان بنظرة خلت ابتسامة نورهان الساخرة تتهز لثانية واحدة. وبصوت واطي بس كان بيزلزل العمارة من قوة ثباته، قالت:
“الفلوس دي تشتري بيها راجل زيه، راجل يتباع ويشترى في سوق الهوان.. لكن أنا؟ أنا كنت شايلاه يوم ما كانش يسوى في سوق الرجال تلاتة مليم، شيلته بكرامتي وبدهبي وبصحتي. انتي مخدتيش مني حاجة يا هانم، انتي خدتي قشرة بني آدم، خدتي الراجل اللي باع شرفه وأصله عشان يركب عربية وياكل لقمة من عرق غيره.”
لفت وشها ناحيتي، وبصت في عيني مباشرة، نظرة حسستني إني بتجرد من هدومي ومن كل قرش عملته في الغربة، وقالت بنبرة قطعت كل حبل كان رابطنا:
“أما إنت يا أحمد..
فـ حسبي الله ونعم الوكيل فيك، ربنا مش هيسيبك، والقرش اللي بعتني عشانه هيكون هو السم اللي هيقضي عليك. من اللحظة دي، إنت ميت في عيني وفي قلبي.”
رزعت الباب في وشنا ، وقفلته بالمفتاح من جوة بجمود حاسم. نورهان حاولت تداري ارتباكها ورجعت تضحك بتصنع وقالتلي: “يلا يا بيبي.. ملكش دعوة بالبيئة دي، خلينا نمشي”، لكن أنا رجلي مكنتش قادرة تتحرك، ودقات قلبي كانت بتدق برعب حقيقي.. حسيت إن باب الشقة ده مقفلش في وشي بس، ده قفل معاه كل باب رحمة وستر كان مفتوحلي في الدنيا.
صوت الترباس وهو بيتقفل من جوة كان عامل زي طلقة رصاص استقرت في نص دماغي، ورزع الباب نزل صوته يرن في منور العمارة وعلى السلم المفتوح زي الرعد.
نورهان مسكت إيدي بقوة، ضوافرها غرزت في جلدي وهي بتشدني وراها، وصوت كعبها العالي لسه بيخبط على درجات السلم المكسرة بانتصار مستفز. وإحنا نازلين، لاحظت إن أبواب الشقق في الأدوار اللي تحت كانت مواربة..
حس الفضيحة كان عالي، واليمين اللي رميته بأعلى صوتي مع زعيق نورهان وتعييرها لفاطمة كان كافي جداً يسمّع العمارة كلها من ساسها لراسها، ويفهمهم إن ابن حتتهم رجع من السفر بواحدة تانية، طلق الست اللي شالت أهله ومرمطها على عتبة بيتها.
نزلنا للشارع، وكان في كام راجل من كبار الحارة واقفين عند دكان البقالة اللي قدام البيت، وشباب الحتة ملمومين على أول الحارة. أول ما شافوني خارج ولابس البدلة النضيفة وجنبي نورهان بكامل شياكتها والعربية الفارهة راكنة وسط الشارع المترب، سكتت أصواتهم فجأة.
بصاتهم كانت كلها لوم وعتاب تقيل يكسر الضهر، بصة للي لسه سامعينه فوق وبصة تانية ليا، كأنهم بيقولولي من غير ولا كلمة: “خسارة تربيتك وسطنا، وخسارة العيش والملح اللي هانوا عليك في لحظة.”
حاولت أهرب بعيني منهم، وركبت العربية بسرعة وأنا حاسس بصغر وخزي عمري ما عيشته. نورهان قفلت الباب، خدت نفس عميق، وبصت في مراية الصالون تعدل الروج بتاعها وهي بتقول باستهزاء وبرود:
“شوفت بقى؟ الموضوع مكنش محتاج الدراما والتردد بتاعك ده كله.. شيلنا الهم وخلصنا منها، ومن هنا ورايح مش عايزة اسمع اسمها تاني على لسانك ولا حتى تفكر تبص وراك للبيئة دي.”
دورت العربية وانطلقت بينا في شوارع القاهرة متجهة للكومباوند الفخم في التجمع. طول الطريق كنت ساكت تماماً، باصص على الطريق السريع بس مش شايف غير مشهد فاطمة ودموعها المكسورة، وصوتها وهو بيرن في ودني: “القرش اللي بعتني عشانه هيكون هو السم اللي هيقضي عليك.”
الكلمة كانت بتلف في عقلي زي الدوامة، وكل ما نورهان تفرك في التليفون وتتكلم عن الفيلا الجديدة وديكوراتها، كنت بحس ببرودة غريبة بتسري في جسمي، كأن العز ده كله اتبنى على رمال متحركة هتبلعني في أي ثانية.. خلاص، القناع وقع، وأنا بعت أهلي وأصلي برضايا، وبدأ العداد يعد عليا تمن كل دمعة وقهرة سبتها ورايا.
الأيام الأولى بعد المشهد ده كانت ماشية في دوامة سريعة وكأن الدنيا بتحاول تعميني عن اللي عملته. نورهان خدتني في رجلها على المكاتب العقارية، بنمضي عقود الفيلا وبنختار أحدث التشطيبات، وكانت بتتعامل بمنتهى السيطرة، هي اللي بتدير، هي اللي بتدفع، وهي اللي بتحدد مين يدخل حياتنا ومين يخرج. وأنا؟ كنت مجرد تابع، شريك بالاسم وواجهة بتمشي في ضلها.
كنت كل ما أحط راسي على المخدة بالليل في الأوتيل الفخم، أسمع صوت رنة الكعب وصوت المفتاح وهو بيقفل باب فاطمة. حاولت أكلم أمي عشان أطمن، بس أول ما سمعت صوتي، ردت عليا بنبرة كلها وجع وقالتلي:
“أبوك مريض يا أحمد، ومكناش لاقيين حق الدوا لولا فاطمة اللي باعت مكنة الخياطة بتاعتها ووقفت معانا.. انت بعت الأصيلة عشان الفلوس، بس الفلوس هتروح والندم هيفضل لازق في توبك ليوم الدين.”
وقفلت السكة في وشي من غير ما تديني فرصة أنطق.
الكلام نزل عليا زي السـ,ـم، بس نورهان مكنتش بتديني مساحة أتنفس أو أفكر. بعد شهرين من الجواز الرسمي ونقل كل استثماراتي باسم الشركة المشتركة اللي عملناها، بدأت المعاملة تاخد شكل تاني خالص. نورهان بدأت تزهق من دور “الزوجة المنقذة”، ونبرة التكبر اللي دمرت بيها فاطمة زمان، بدأت تتوجه ليا أنا شخصياً وبشكل يومي.
في يوم، كنت راجع متأخر من موقع الفيلا، لقيتها قاعدة في الصالة، وحاطة قدامها ملفات الحسابات، وشها مكنش فيه أي تعبير غير القسوة والبرود. أول ما دخلت، رمت الملف على التربيزة وقالتلي باستهزاء:
“إيه التخبيط اللي عامله في حسابات المشروع ده؟ هو انت فاكر نفسك بتدير دكانة في حارتكم القديمة؟ الظاهر إن البيئة اللي طلعت منها لسه مأثرة على دماغك، ومش قادر تفهم يعني إيه استثمار بملايين!”
وقفت مصدوم، لساني اتعقد، وبصتلها وأنا مش مصدق إن نفس الإهانة اللي وقفت اتفرج عليها زمان وهي بتتوجه لفاطمة، بتلف الدايرة وترجع تدوس على كرامتي أنا وبنفس النبرة والتعالي.
حاولت أبلع الإهـ,ـانة وأرد بهدوء عشان ألمّ الموقف: “نورهان، أنا مهندس وعارف شغلي كويس، والأرقام دي مدروسة…”
قاطعتني بضحكة مستفزة قطعت كلامي في نص حنجرتي، وقفت وحطت إيديها في وسطها وبصتلي من فوق لتحت بنفس النظرة اللي بصت بيها لفاطمة على عتبة الباب القديم:
“مهندس إيه وشغل إيه يا حبيبي؟ إنت نسيت نفسك ولا إيه؟ إنت لولا اسمي وعلاقاتي وفلوسي مكنتش تحلم حتى تعدي من قدام بوابات الكومباوند ده! فوق لنفسك واعرف حجمك.. إنت هنا بتنفذ اللي أقوله بالحرف، مسمعش صوتك ولا أشوف منك تفلسف.”
الدم غلي في عروقي، وحسيت بنار قايدة في صدري، صرخت فيها:
“أنا شريكك في كل مليم ومفيش حاجة دخلتيها إلا بمجهودي وتخطيطي، إنتي مش جايباني من الشارع عشان تكلميني كده!”
نورهان متهزتش، بالعكس، برودها زاد، وابتسمت ابتسامة خبيثة تجمّد الدـ,ـم. طلعت سيجارة وولعتها، ورمت قدامي على التربيزة ورقة رسمية مختومة وقالتلي بهدوء مرعب:
“شريك مين يا أحمد؟ إنت ماضيلّي بتوكيل عام وإدارة لكل أصول الشركة وحساباتها من يوم ما اتفقنا على صفقة الفيلا.. والورقة دي إخطار بعزلك من كل مناصبك وتجميد توقيعك. يعني بكلمة واحدة مني، ترجع حارتكم بالهدوم اللي عليك، ومن غير حتى القرشين اللي كنا رميناهم للست بتاعتك زمان.”
الصدمة شلتني للمرة التانية، بس المرة دي السـ,ـكينة كانت في ضهري أنا. بصيت للورقة وبصيت لوشها، لقيت نفسي قدام وحش أنا اللي بنيته وغذيته بظلمي وكـ,ـسرتي لفاطمة.
في اللحظة دي، شريط حياتي كله عدى قدام عيني:
تضحيات فاطمة، دهبها اللي راح، مكنة الخياطة اللي باعتها عشان أبويا، وأنا اللي بعت ده كله عشان شوية مظاهر وسراب. الدنيا اسودت في وشي، ولقيت نفسي خارج من الفيلا تايه في شوارع التجمع في نص الليل، ممعاييش غير الموبايل ومفتاح عربية مش بتاعتي، وصوت فاطمة بيصرخ جوا عقلي زي الآذان: “القرش اللي بعتني عشانه هيكون هو السم اللي هيقضي عليك.”
