رجل اشترى 90 سرير من مستشفى قديم والناس افتكرت إنه بيجهز دار مسنين، لكن اللي كان بيخطط له كان أخطر بكتير
لما يوسف منصور اشترى 90 سرير من مستشفى قديم في الإسكندرية كان بيصفي محتوياته، أهل المنطقة كلهم تقريبًا وصلوا لنفس النتيجة
الراجل ده أكيد هيعمل دار مسنين.
خصوصًا إن يوسف كان شاري كمان عشرات الكومودينات، والمراتب، والستائر الطبية، وحتى أجهزة الإنذار القديمة.
واحد من أصحاب المحلات القريبة سأله وهو بيضحك
إنت ناوي تفتح مستشفى ولا إيه؟
يوسف ابتسم وقال
حاجة شبه كده.
الكلمة دي خلت الناس تتأكد إنهم صح.
لكن محدش كان يعرف إن يوسف ما كانش ناوي يستقبل ولا مريض واحد.
يوسف كان عنده 38 سنة، وكان شغال مهندس صيانة في مصنع كبير، لكن من حوالي سنة استقال فجأة، وباع عربيته، واستأجر مخزن ضخم في منطقة صناعية على أطراف الإسكندرية.
ومن يومها، بدأ يشتري حاجات غريبة.
أسرة مستشفيات.
ستائر عازلة.
كاميرات مراقبة.
أبواب حديد.
وأجهزة اتصال قديمة.
ولما حد يسأله بيعمل إيه، كان بيرد بنفس الجملة
مشروع صغير.
بس المشكلة إن المشروع ما كانش صغير.
ولا عادي.
بعد ما نقل يوسف ال سرير للمخزن، بدأ يركبهم بنفسه.
كل سرير كان بيتحط في مكان محدد.
بالسنتيمتر.
وكان بيقيس المسافات بينهم أكتر من مرة.
وفي كل ليلة، كان يقفل المخزن بنفسه ويفضل جواه بالساعات.
الجيران بدأوا يشكوا.
واحد قال
ده أكيد بيجهز دار مسنين من غير ترخيص.
واحد تاني قال
يمكن
مركز علاج.
أما عم جابر، البواب اللي كان بيراقبه كل يوم، فقال
الراجل ده مش بيجهز مكان للمرضى الراجل ده مستني ناس.
لكن محدش أخد كلامه بجدية.
لحد ما حصلت أول حاجة غريبة.
في الساعة 215 بعد منتصف الليل، وصلت للمخزن عربية نقل كبيرة.
نزل منها 90 صندوق خشب.
يوسف بنفسه استلمهم.
ولما سائق العربية سأله
أحطهم فين يا باشمهندس؟
يوسف بص ناحية السراير وقال
تحتهم.
السواق استغرب.
تحت السراير؟
أيوه.
قعدوا يركبوا الصناديق أسفل كل سرير.
والغريب إن يوسف كان بيتأكد إن كل صندوق مربوط كويس، وبعدها يكتب رقم على طرف السرير.
من 1 لحد 90.
بعدها طرد كل العمال.
وقفل المخزن.
في اليوم التالي، لاحظ عم جابر إن يوسف جاب نجار، وكهربائي، وسباك، ومهندس شبكات.
لكن ولا واحد فيهم كان عارف المشروع كامل.
كل واحد كان بينفذ جزء صغير.
وفي آخر اليوم، يوسف جمعهم وقال
اللي شاف حاجة هنا ينسى إنه شافها.
الجملة دي خلت عم جابر يبدأ يقلق فعلًا.
بعد أسبوع، ظهرت حاجة أغرب.
يوسف بدأ يزور المستشفى القديم اللي اشترى منه السراير.
كان بيروح لوحده.
يدخل أرشيف المستشفى.
ويقعد بالساعات قدام ملفات قديمة.
وفي مرة، موظف قديم سأله
إنت بتدور على إيه؟
يوسف رد
على ملف من سنة 2004.
ملف مريض؟
يوسف سكت.
وبعدين قال
لأ.
ملف حادثة.
الموظف استغرب.
حادثة إيه؟
يوسف قفل الدرج.
الحادثة اللي اتقال إنها ما حصلتش.
من اللحظة دي، بدأ كل شيء يتغير.
يوسف بقى يشتري حاجات أغرب.
أجهزة تسجيل.
مولد كهرباء مستقل.
أقفال إلكترونية.
ومرآة كبيرة جدًا.
ولما عم جابر سأله
هو إنت ناوي تعمل إيه بكل ده؟
يوسف بص له طويلًا.
وقال
أنا بحاول أرجع حاجة اتدفـ,ـنت من 20 سنة.
عم جابر ضحك بتوتر.
حاجة إيه؟
يوسف ما ردش.
لكن في نفس الليلة، حصل انقطاع كهربا في المنطقة.
كل المخازن ضلمت.
إلا مخزن يوسف.
كان شغال بمولد احتياطي.
والغريب إن من جوه المخزن بدأت أصوات أجهزة إنذار تشتغل.
صفارة.
وراها صفارة تانية.
وبعدين
90 لمبة اشتغلوا في نفس اللحظة.
كل لمبة فوق سرير.
عم جابر كان واقف بعيد من الشباك، وحاول يبص لجوه.
فشاف حاجة خلته يرجع خطوتين.
ال سرير ما كانوش مجرد سرير متحطين جنب بعض.
كل سرير كان قدامه شاشة.
وعلى كل شاشة
اسم شخص.
عم جابر قرب من الزجاج.
قرأ أول اسم.
وبعدين التاني.
وبعدين التالت.
كلهم أسماء ناس يعرفهم.
ناس مـ,ـاتت.
ناس اختفت.
وناس اتقال إنهم سافروا.
وفي آخر الصف، كان فيه سرير رقم 90.
شاشته كانت مختلفة.
ما كانش عليها اسم.
كان عليها صورة.
صورة يوسف وهو طفل.
عم جابر جري ناحية الباب.
لكن قبل ما يوصل، الباب اتفتح من جوه.
يوسف كان واقف قدامه.
وشه كان هادي جدًا.
عم جابر قال بصوت مرتعش
إيه اللي إنت بتعمله هنا يا ابني؟
يوسف بص له.
فاكر المستشفى دي؟
أيوه.
فاكر الحريق اللي حصل فيها سنة 2004؟
عم جابر سكت.
يوسف كمل
الناس قالت إن الحـ,ـريق قتـ,ـل 17 شخص.
أيوه.
بس الحقيقة إنهم كانوا 90 شخص.
عم جابر حس إن رجله مش شايلاه.
إنت عرفت منين؟
يوسف بص ناحية ال سرير.
لأن كل واحد منهم كان له سرير هنا.
وبعدين مد إيده لعم جابر، واداله ملف قديم.
على الغلاف كان مكتوب
حالات مجهولة الهوية.
يوسف قال
المستشفى قالت إن الملفات اختفت في الحريق.
فتح الملف.
جواه صور.
وتقارير.
وأسماء.
وأرقام غرف.
لكن آخر ورقة كانت هي الأخطر.
كانت عبارة عن قائمة مكتوبة بخط اليد.
90 اسم.
وتحت القائمة جملة واحدة
لم يمـ,ـوتوا في الحريق.
عم جابر رفع عينه ليوسف.
أمال حصل لهم إيه؟
يوسف ما ردش.
اتجه ناحية السرير رقم 90.
فتح الصندوق اللي تحته.
وأخرج منه شريط فيديو قديم.
حطه في جهاز التشغيل.
الشاشة اشتغلت.
ظهر تسجيل مهزوز من داخل المستشفى.
ممر.
ناس بتجري.
دخان.
وبعدين ظهر رجل قدام الكاميرا.
عم جابر شهق.
لأنه عرفه فورًا.
كان مدير المستشفى وقت الحريق.
لكن الصدمة الحقيقية إن الرجل في التسجيل ما كانش لوحده.
كان واقف جنبه شخص تاني.
شخص كان عمره وقتها حوالي 30 سنة.
يوسف قرب من الشاشة.
وهمس
عشان كده اشتريت ال سرير.
عم جابر سأله
عشان تعرف مين عمل كده؟
يوسف هز رأسه.
لأ.
ثم أوقف الفيديو عند وجه الرجل الثاني.
وقال
أنا عارف مين عملها من زمان بس كنت مستني أعرف مين لسه عايش.
وفجأة
سمعوا صوت مفتاح بيدخل في باب المخزن.
يوسف التفت ناحية الباب.
وعلى الشاشة ظهر اسم جديد.
السرير رقم 90.
الاسم اللي ظهر عليه كان
يوسف منصور حي.
يوسف ابتسم لأول مرة.
لكن عم جابر ما فهمش ليه.
إلا لما يوسف قال
أخيرًا عرفوا إني رجعت.
انقبضت الأجواء داخل المخزن كأنها ساحة حرب، وتوقفت درجات الوقت عند باب الحديد المصفح.
صوت مفتاح يتحرك في القفل الخارجي ببطء ورصانة، يعلن وصول شخص يملك النسخة
الأصلية لمفاتيح هذا المكان، أو شخص يعلم السر منذ البداية.
عم جابر كان يقف بذهول، يداه ترتجفان وهو ينظر إلى الشاشة رقم 90 التي أضاءت باسم يوسف منصور حي، والاسم الذي كُشف خلفه كان الاسم الذي دُفـ,ـن تحت رماد حريق المستشفى عام 2004!
انفتح الباب الخشبي والحديدي الثقيل…
ودخل رجل في أواخر الستينيات من عمره، يرتدي معطفاً خفيفاً، شعره أبيض بالكامل، وعيناه النافذتان تنظران نحو أرجاء المخزن ببرود ووقار.
كان ذلك الرجل هو دكتور هشام الفايزنائب مدير المستشفى القديم وقت الحادث، والشخص الذي أُعلن رسمياً أنه توفي داخل الحريق واحـ,ـترقت جـ,ـثته بالكامل مع ال 90 مريضاً!
عم جابر رجع خطوتين للخلف وهو يصرخ بخوف مكتوم
دكتور هشام؟! أنت… أنت لسه عايش?!
ابتسم دكتور هشام ابتسامة باردة جداً، ونظر نحو يوسف وال 90 سرير المضيئة، وقال بنبرة خالية من أي نديم
أهلاً يا يوسف… كنت عارف إنك الوحيد اللي هيخرج من بين الرماد ويقعد 20 سنة يدور على خيط الجريمة دي.
يوسف لم يتحرك من مكانه بجوار السرير رقم 90. كان يرتدي بدلته العملية
البسيطة، وعيناه تصدران ثباتاً وكرامة أذهلت الجميع.
قال يوسف بصوت حاد، بارد، وواثق هز أركان المخزن
20 سنة يا دكتور هشام… 20 سنة والناس فاكرة إن 90 مريض مجهول الهوية مـ,ـاتوا محروقين في ماس كهربائي في المستشفى، وأنت والمدير أخذتم ميزانيات التعويضات والتأمينات اللي تتعدى ال 200 مليون جنيه، وهربتم بأوراق جديدة وأسماء مزيفة!
دكتور هشام خطى خطوة للأمام، وأخرج من جيبه جهازاً لاسلكياً ورجلين مسلحين يقفون عند عتبة الباب
وما فائدة ال 90 سرير يا يوسف؟! هل فاكر إن المـ,ـوتى هيرجعوا عشان يطالبوا بدمهم؟!
المستشفى اتهدمت، والملفات أتقفلت، وأنت مجرد ولد صغير كان محجوز في السرير رقم 90 في اليوم ده وما كملتش شهادتك!
البث الحي وسقوط الجريمة الكبرى
ابتسم يوسف ابتسامة واثقة هادئة جعلت وجه الدكتور هشام يتغير كلياً.
أشار يوسف بيده نحو كاميرات المراقبة والشاشات ال 90 المرتبطة بالشبكة ومولد الكهرباء المستقل، وقال بصوت جهوري يرن في كل أرجاء الإسكندرية
أنا لم أمارس هذه اللعبة للثأر الشخصي يا دكتور… ال 90 سرير دول مش مجرد شو، الصناديق اللي تحتهم مش مجرد خشب… الصناديق دي كان فيها أجهزة بث رقمي مشفر متصلة مباشرة بالنيابة العامة والنائب العام وهيئة الرقابة الإدارية في القاهرة!
ساد صمت مرعب!
دكتور هشام شحب وجهه كالميت، والمسلحين تراجعوا خطوة للخلف!
أكمل يوسف بثبات وصراحة
كل كلمة ناطقت بيها من أول ما فتحت الباب بالمفتاح المزيف، وكل صورة وتسجيل من ملفات 2004، والبث الحي لاعترافك بوجود ال 90 مريض وبسرقة التأمينات… بيتنقل دلوقتي لايف وعلى الهواء قدام أجهزة الدولة والرأي العام!
في نفس اللحظة…
دوت أجهزة الإنذار وأصوات سيارات الشرطة والقوات الخاصة التي حاصرت المنطقة الصناعية والمخزن بالكامل!
انفتحت الأبواب الخارجية للمخزن، ودخل رجال الأمن ومأمورو الضبط القضائي ومعهم رجال المباحث الجنائية، وألقوا القبض فوراً على دكتور هشام ورجاله المسلحين وسط صدمة وذهول وإهانة كاملة!
العيش بكرامة وإشراقة الحق
أمسك رئيس المباحث بملفات يوسف وقرأ التقارير الموثقة والأدلة الدامغة التي جمعها بعصامية وصبر طوال 20 عاماً، ونظر ليوسف بكل احترام وتقدير
باشمهندس يوسف… أنت قمت بعمل بطولي رد حقوق 90 عائلة ومريض مظلوم كانوا ملفوفين بالنسيان والإهمال طوال عقدين من الزمن.
دكتور هشام سُحب بالحديد وهو يصرخ وينهار قدام الجميع، بعد أن انكشفت كل أملاكه وحساباته المهربة بالخارج وشبكته المزيفة وتم التحفظ عليها لصالح أسر الضحايا وتعويضهم.
عدت إلى المخزن…
وقف يوسف مع عم جابر، ونظر لل 90 سرير التي أطفئت أضواؤها بعد أن أدت رسالتها التاريخية، وشعر بأن الروح عادت له بعد سنوات طويلة من التعب والركض خلف الحقيقة.
اشترى يوسف أرض المزرعة والمخزن بالكامل برعاية رسمية، وتحول المكان إلى مؤسسة الأمل المجانية للرعاية الطبية والمسنين، ليخدم الفقراء والمحتاجين مجاناً بعيداً عن التجارة والجشع.
وعاش يوسف بكرامة وأمان وراحة بال، ورأسه مرفوعة فوق للسماء… متعلماً أن الظلم مهما طال حبكه ودفـ,ـنه تحت التراب، فإن الحق دايماً بيبان والنية الصافية والوقفة الحازمة ربنا بينصر صاحبها في النهاية للأبد.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا بينصر صاحبها في النهاية