منوعات

ليلى فرحي

وقالوا إننا سنذهب لنرى مكانًا سيكون أفضل بالنسبة لي.
قلت لهم
أنا مش رايحة في أي مكان.
ابتسم ابني كما لو أنه سمع هذه الجملة من قبل.
وكأن رفضي مجرد مرحلة وسأمر منها سريعًا.
قال
تعالي بس شوفي المكان يا أمي. كل حاجة هتبقى أسهل لو عملناها بهدوء.
سرت داخل منزلي وأنا أشعر وكأنني ضيفة.
مررت بغرفة المعيشة، حيث كان زوجي ينام أحيانًا أثناء مشاهدة مباريات كرة القدم.
مررت بالممر الذي ما زالت علامات طول أطفالي موجودة على حائطه.
كل علامة كانت تذكرني بأيام لم أكن أتخيل أنها ستنتهي بهذه الطريقة.

أمسكت حقيبتي.
كانت أثقل مما ينبغي.
ثم تبعتهم إلى السيارة.
ليس لأنني وافقت.
ولكن لأن جزءًا مني أراد أن يرى…
إلى أي مدى يمكن أن يذهبوا؟
لم يتجه ابني إلى البلدة.
ولم يدخل الطريق السريع.
ظل يقود حتى وصل إلى طريق غريب.
طريق ذو حارتين فقط.
لا أرصفة.
لا منازل.
حقول على الجانبين.
وسماء واسعة بما يكفي لتبتلع إنسانًا دون أن يلاحظه أحد.
ثم أوقف السيارة.
نظر إليّ وقال بهدوء شديد، وكأنه يخبرني عن حالة الطقس
هنا هتنزلي.
فتحت ابنتي فمها.
ثم أغلقته.

لم تعترض.
لم تقل شيئًا.
فقط ذلك الصمت الهش، وكأنها كانت تخشى أن ينهار كل شيء إذا نطقت بكلمة واحدة.
فتحت الباب ونزلت.
كان الهواء يحمل رائحة التراب الرطب وبدايات الربيع.
التصق الغبار بطرف ملابسي.
ثم أُغلق باب السيارة خلفي بصوت خافت…
لكن بداخلي كان الصوت أشبه بإغلاق باب الماضي كله.
لم يكن معي هاتف.
ولا نقود.
أو هكذا كانوا يعتقدون.
وقفت أراقب سيارة ابني وهي تبتعد.
صغرت شيئًا فشيئًا حتى أصبحت مجرد نقطة متحركة في الأفق.
ثم اختفت خلف المنعطف.

ولأول مرة منذ وفــ,,ـــــاه زوجي…
شعرت أن صدـ,,ـــري بدأ يتنفس من جديد.
ليس لأن الألم اختفى.
ولكن لأنني فهمت أخيرًا ما الذي حدث.
لقد أرادوا أن يقطعوا كل شيء.
أن يتخلصوا مني.
أن يأخذوا البيت والشركة وكل ما تركه والدهم.
لكنهم ارتكبوا خطأً واحدًا…
لقد ظنوا أنني لم أستعد.
أدخلت يدي في أعمق جيب داخل حقيبتي.
ولمست شيئًا صغيرًا وحادًا.
شيئًا يحمل اسمي.
شيئًا لم يعرف ابني بوجوده طوال كل تلك السنوات.
شيئًا أعددته قبل وفــ,,ـــــاه زوجي بوقت طويل…
ابتسمت للمرة الأولى منذ أيام.

ثم بدأت أمشي.
لكنني هذه المرة…
لم أكن أمشي بعيدًا عن حياتي.
كنت أمشي نحو الحياة التي أخفيتها عنهم.
وكان ابني على وشك اكتشاف أن البيت والشركة لم يكونا الشيء الوحيدين اللذين تركهما والده وراءه.
فما كنت أحمله في حقيبتي. ..
كان قادرًا على تغيير كل شيء.
والسر الذي لم يعرفه أولادي عني سيجعلهم يتمنون لو أنهم لم يتركوني في ذلك الطريق
أبدًا.
يتبع…
لم أكن أعرف إلى أين كنت ذاهبة.

كنت أمشي على الطريق الترابي وأنا أضم حقيبتي إلى صدـ,,ـــري، وكل خطوة كانت تجعلني أشعر أنني أبتعد أكثر عن المرأة التي كانوا يظنون أنهم يعرفونها.
بعد دقائق، سمعت صوت محرك سيارة يقترب.
توقفت.
سيارة سوداء فاخرة تباطأت بجانبي، ثم توقفت تمامًا.
انفتح الباب الخلفي.
ونزلت منه امرأة في الخمسينيات من عمرها، ترتدي معطفًا أنيقًا وتحمل هاتفًا في يدها.
نظرت إليّ للحظات، ثم قالت
أستاذة مريم؟
تجمدت في مكاني.
لم أجب.
ابتسمت المرأة وقالت
أنا سارة.

زوجك كان موصيني لو حصل أي شيء، أول ما أعرف إنك خرجتي من البيت لوحدك، أجيلك فورًا.
شعرت بقلبي يتوقف.
قلت بصوت منخفض
جوزي؟
أومأت.
كان عارف إن ده ممكن يحصل؟
نظرت إليّ سارة بحزن.
كان متوقع إن ابنك يحاول يسيطر على كل حاجة بعد وفاته.
فتحت حقيبتي بسرعة، وأخرجت الظرف الصغير الذي كنت أخفيه.
كان بداخله مفتاح معدني صغير، وبطاقة عليها اسم مكتب محاماة.
ناولته لسارة.
قالت
تمام. يبقى نقدر نبدأ.
ركبت السيارة دون أن أسأل إلى أين سنذهب.

بعد حوالي نصف ساعة، توقفت السيارة أمام مبنى ضخم في وسط المدينة.
صعدنا إلى الطابق السابع.
وعندما دخلت المكتب، رأيت رجلًا مسنًا يقف بجوار النافذة.
كان محامي زوجي.
وبمجرد أن رآني، قال
كنت أتمنى ألا تضطري لاستخدام هذا المفتاح أبدًا.
جلست أمامه.
كان صوتي يرتجف
قول لي الحقيقة.
وضع ملفًا سميكًا أمامي.
زوجك لم يترك البيت والشركة لابنك.

نظرت إليه في صمت.
فتح الملف.
ثم دفع ورقة أمامي.
البيت باسمك من الأساس.
رمشت عدة مرات.
إيه؟
قال
أما الشركة… فزوجك نقل ملكية 72 منها إلى صندوق ائتماني باسمك منذ سبع سنوات.
لم أستطع الكلام.
سبع سنوات؟
قال المحامي
وكان هناك سبب آخر.
رفع عينيه نحوي.
زوجك كان يعرف أن ابنك وابنتك كانا يحاولان معرفة حجم ثروته الحقيقية.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
يعني كان شاكك فيهم؟
هز رأسه.
مش شاكك بس.
فتح درجًا وأخرج ظرفًا أبيض.
كان متأكدًا.

مددت يدي ببطء.
كان الظرف يحمل اسم ابني.
فتحته.
وفي داخله صور.
تحويلات مالية.
رسائل.
وتسجيلات لم أكن أعرف بوجودها.
رفعت رأسي.
إيه ده؟
قال المحامي
ابنك كان يسحب أموالًا من حساب الشركة قبل وفــ,,ـــــاه والده. وابنتك كانت تساعده.
شعرت وكأنني أعيش كابوسًا.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في الصفحة الأخيرة.
كانت هناك ورقة تحمل توقيع زوجي.
وفي أسفلها جملة واحدة
إذا وصلت هذه الأوراق إلى مريم، فهذا يعني أن أولادي خذلوها.
وضعت يدي على فمي.
ولأول مرة منذ دفــ,,ـــــن زوجي…
بكيت.

لكن دموعي لم تكن بسبب الخوف.
كانت بسبب شيء آخر.
لأنني أدركت أن زوجي لم يتركني وحيدة.
لقد كان يستعد لحمايتي حتى بعد مــ,,ـــــوته.
وفي تلك اللحظة رن هاتف المحامي.
نظر إلى الشاشة.
ثم إليّ.
وقال
ابنك بيتصل.
تجمدت.
قلت
ما تردش.
لكنه ابتسم.
لا… هنرد.
ثم ضغط زر الإجابة ووضع الهاتف على مكبر الصوت.
جاء صوت ابني غاضبًا
فين أمي؟!
لم أتكلم.
قال المحامي بهدوء
السيدة مريم موجودة معايا.
ساد الصمت.
ثم قال ابني
إنت مين؟

ابتسم المحامي.
الشخص اللي هيشرح لك دلوقتي مين اللي يملك البيت والشركة.
لم يصدـ,,ـــر صوت من الطرف الآخر.
ثم سمعت ابني يقول
ماما… إحنا كنا بنحاول نساعدك.
نظرت إلى الملف أمامي.
ثم قلت للمرة الأولى منذ أن تركني على الطريق
لا يا ابني.
سكت.
قلت
إنت ما كنتش بتساعدني.
ثم أغلقت الهاتف.
لكنني لم أكن أعرف أن هذه المكالمة كانت مجرد البداية.
لأن المحامي كان يخفي عني شيئًا أخطر بكثير…
شيئًا يتعلق بوفــ,,ـــــاه زوجي نفسها.
فبعد أن أغلق الهاتف، أخرج ملفًا أسود من خزنة صغيرة خلفه.

ووضعه أمامي.
وقال
في حاجة زوجك طلب مني ما أقولهاش لك إلا بعد ما يتأكد إن أولادك حاولوا يطردوك من بيتك.
نظرت إليه.
إيه هي؟
فتح الملف ببطء.
ثم قال
زوجك لم يمت ميتة طبيعية.
شعرت أن الدم انسحب من وجهي.
رفعت عيني إليه.
إنت بتقول إيه؟
أشار إلى تقرير طبي موجود داخل الملف.
ثم قال
كان فيه شيء في تحاليله الأخيرة.
توقفت أنفاسي.
مادة غريبة دخلت جسمه قبل وفاته بأيام.
ثم نظر إليّ مباشرة.
والشرطة وقتها اعتبرت الوفــ,,ـــــاه طبيعية.
سكت لحظة.

وأضاف
لكن زوجك طلب مني أحتفظ بالدليل.
نظرت إلى الورقة.
ثم إلى اسم ابني المكتوب على أحد المستندات.
وفي تلك اللحظة فقط…
فهمت أن الطريق الذي تركني فيه ابني لم يكن مجرد محاولة للتخلص مني.
ربما كان يحاول إخفاء شيء أخطر بكثير.
شيء لو ظهر…
لن يخسر البيت والشركة فقط.
بل قد يخسر حريته أيضًا.
وهذه المرة. ..
أنا التي كنت أملك الدليل.
لم أستطع تحريك عيني عن الورقة.
مين عمل كده؟
خرج السؤال من فمي بصعوبة.
المحامي لم يجب مباشرة.

قال
زوجك لم يكن متأكدًا من الشخص. لكنه كان متأكدًا من شيء واحد.
إيه؟
إن حد قريب منه كان بيحاول يسرّع مــ,,ـــــوته.
فتح درجًا آخر وأخرج فلاشة صغيرة.
دي فيها تسجيلات من كاميرات الشركة، وتحويلات مالية، ورسائل.
نظرت إليه.
وليه ما سلمتهاش للشرطة؟
قال بهدوء
لأن زوجك طلب مني أنتظر لحد ما يكون عندي دليل كافي.
ثم أضاف
والآن عندنا.
في اليوم التالي، توجهنا إلى الشرطة.
قدمت كل شيء.
التسجيلات.
التحويلات.
التقارير الطبية.
والأخطر…
رسائل ابني إلى شخص مجهول قبل وفــ,,ـــــاه والده بأيام.

كانت هناك رسالة واحدة جعلت يدي ترتجف
لازم الموضوع يخلص قبل ما يغير الوصية.
لكن الرسالة لم تكن موقعة باسم ابني.
وهنا ظهرت المفاجأة.
الرقم لم يكن رقمه.
كان رقم ابنتي.
عندما استدعتها الشرطة، انهارت بعد أقل من ساعة.
اعترفت بأنها كانت تعرف أن شقيقها يريد السيطرة على أموال والدنا.
واعترفت بأنها ساعدته في تزوير بعض الأوراق.
لكنها أقسمت أنها لم تعرف شيئًا عن تسميم والدها.
ثم قالت شيئًا جعل الجميع يصمت
أخويا هو اللي كان بيتعامل مع الراجل.
سألها المحقق
أي راجل؟
بدأت تبكي.

اللي كان بيجيب له الأدوية.
في تلك اللحظة، بدأت الصورة تكتمل.
لم يكن ابني قد خطط وحده.
كان هناك رجل يعمل مع الشركة، وكان هو المسؤول عن بعض الأدوية التي وصلت إلى زوجي.
تم القبــ,,ـــــض عليه بعد أيام.
وبعد التحقيق، اعترف.
لم يكن ال. مخططًا بالطريقة التي تخيلناها.
كان ابني يريد فقط أن يجعل والده مريضًا بدرجة تكفي لإجباره على التنازل عن بعض صلاحياته.
لكن الجرعة الخاطئة تسببت
في مضاعفات قاتلة.
وعندما أدرك ابني أن والده مات، لم يتصل بالشرطة فورًا.
اختار أن يخفي كل شيء.

ثم بدأ تنفيذ خطته التالية

انت في الصفحة 2 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى