مفيش رد.
بس سمع صوت خطوات هادية جدًا جاية من ناحية الأوضة.
خطوة خطوتين وبعدين توقف.
قلبه بيدق بسرعة، وعرق ساقع نازل على ضهره.
مد إيده ناحية الحيطة يدور على الموبايل اللي وقع لمسه بإيده المرتعشة.
نور الشاشة طلع ضعيف.
وبمجرد ما النور وقع على الصالة
ماكانش فيه حد.
الصوت اللي كان سامعه اختفى.
بلع ريقه وقال بصوت مبحوح
دي لعبة إيه؟
وفجأة رسالة ظهرت على الشاشة.
من رقم مراته الأولى.
الرسالة كانت قصيرة جدًا
كنت لسه مستنياك ترجعلي بس دلوقتي خلاص مفيش رجوع.
وقع الموبايل تاني.
وقبل ما يستوعب سمع نفس الصوت تاني.
بس المرة دي من وراه مباشرة.
أنا مكنتش لعبة يا سامر
اتجمد.
الاسم ده ماحدش بيناديه بيه غيرها.
لف ببطء شديد
وكانت الصدمة
الصالة فاضية.
لكن باب الشقة مفتوح على آخره
والهوا اللي داخل منه كان بارد بشكل غير طبيعي، كأنه جاي من مكان أبعد من الشارع.
خطوة خطوة قرب من الباب.
ولما بص برا
شافها.
واقفة تحت ضوء العمود.
بس مش زي ما كان فاكر.
مش لبس بيت ولا
دموع ولا ضعف.
كانت واقفة بثبات غريب.
وبجانبها شخصين من المستشفى.
والدكتور قال له بصوت رسمي
إحنا آسفين حاولنا نكلمك كتير. زوجتك كانت في حالة حرجة من فترة طويلة ومحدش رد.
سكت.
الدنيا بدأت تلف.
بص ناحية مراته الأولى تاني بس صورتها بدأت تبهت كأنها مش
حقيقية.
وسمع صوتها آخر مرة جاي من بعيد جدًا
دلوقتي بس فهمت إنك ماكنتش شايفني من الأول.
وفجأة
النور رجع.
والشقة كانت فاضية تمامًا.
لا مراته الجديدة
ولا صوت
ولا أي حاجة.
بس على الترابيزة كان في ورقة واحدة جديدة.
مكتوب فيها بخط إيده هو نفسه
وهو مش فاكر إنه كتبها أصلًا
أنا اللي خسرت نفسي قبل ما أخسرهم وقف قدام الورقة عينه مش بتصدق اللي شايفه.
خط إيده هو فعلًا بس الكلام غريب عليه كأنه مكتوب وهو نايم أو فاقد وعيه
أنا اللي خسرت نفسي قبل ما أخسرهم.
بلع ريقه وحس لأول مرة إن الموضوع مش بس مراته الموضوع فيه حاجة في دماغه هو.
اتلفت حوالين نفسه بسرعة.
الشقة هادية بشكل مرعب هدوء مش طبيعي بعد كل اللي حصل.
فتح دولاب الأوضة بسرعة.
كل حاجة مكانها إلا حاجة واحدة.
علبة صغيرة قديمة كان بيحط فيها أوراقه المهمة مفتوحة.
جواها صور.
مش صور فرحهم التاني
لا.
صور قديمة جدًا له هو ومراته الأولى.
بس في صور مش فاكرها خالص.
صور له وهو قاعد جنبها في المستشفى.
وصورة لإيده ماسكة إيدها وهي نايمة على سرير أبيض.
همس لنفسه
أنا كنت هنا إمتى؟
فجأة صـ,ـداع ضـ,ـرب دماغه.
مسك راسه وقعد على الأرض.
ومشاهد بدأت ترجع متقطعة ملخبطة
صوت دكاترة
جهاز بيصدر صوت ثابت
مراته الأولى بتنده عليه
وهو واقف ومش بيرد
وبعدين صوت حد بيقول
الحالة دخلت في إنكار شديد بعد الصدمة
فتح عينه فجأة وهو بيرتعش.
لا أنا متجوزتش تاني أنا
سكت.
لأنه سمع صوت كعب حذاء جاي من وراه.
ببطء لف
كانت واقفة.
مراته الأولى.
بس المرة دي مش زي الصور.
كانت أهدى حقيقية أكتر وحزنها واضح.
قالت بصوت واطي
أنت عملت كل ده عشان تهرب من اللحظة دي.
أنا أنا شفتك بتمـ,ـوت قدامي!
هزت راسها
اللي مات يا سامر مش أنا.
قربت خطوة وقالت
اللي مات هو إحساسك بيا.
سكت.
الدنيا حواليه بدأت تهدى بشكل غريب.
وبعدين قالت الجملة الأخيرة
واللي كنت فاكره جواز تاني كان عقلك بيحاول يخلق حياة بديلة عشان ما تواجهش الحقيقة.
رجع خطوة لورا وهو مش قادر يستوعب.
يعني إيه؟
بصتله نظرة طويلة وقالت
يعني مفيش حد دخل حياتك غير لما أنت خرجت منها.
وفجأة كل الصور على الحيطة وقعت مرة واحدة.
والشقة رجعت هادية تمامًا.
بس المرة دي
هو اللي ما بقاش متأكد
هو عايش فعلاً ولا لسه محبوس جوه اللحظة اللي رفض يصدقها من الأول الدكتور وقف يستنى ردّه، بس سامر كان ساكت تمامًا.
بص في السقف الأبيض كأنه بيدوّر على إجابة جوا دماغه نفسها.
عايز نبلغ حد؟
الكلمة اتكررت في دماغه بشكل غريب كأنها مش سؤال بسيط، كأنها بوابة.
بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت واطي
زوجتي
الدكتور فتح الملف بسرعة، وبص له بنظرة هادية
اسمها إيه؟
سكت.
المفروض يرد فورًا بس الاسم وقف في حلقه.
حس إن فيه فراغ مكان الاسم نفسه.
بعد ثواني قال
مش فاكر
الدكتور وقف لحظة، وبعدين قال بهدوء مهني
طبيعي بعد الغيبوبة الطويلة في فقدان مؤقت للذاكرة أحيانًا.
بس الجملة ما ريّحتهوش.
لأنه جواه إحساس عكس الكلام ده تمامًا إحساس إن نسيان الاسم مش طبيعة ده نتيجة حاجة أعمق.
سابه الدكتور وخرج.
فضل لوحده في الأوضة.
صوت الأجهزة هو الصوت الوحيد.
التفت ناحية الشباك.
نور النهار داخل هادي طبيعي مفيهوش أي حاجة مرعـ,ـبة زي اللي شافه قبل كده.
بس الغرابة بدأت لما بص لإيده.
فيه جرح قديم شبه خط رفيع على معصمه كأنه كان بيتمسك بحاجة جامدة جدًا فترة طويلة.
حرك إيده ببطء.
وفجأة
حس بحاجة في جيب البنجال اللي عليه.
مد إيده.
طلع ورقة صغيرة متنية.
فتحها.
مكتوب بخط واضح جدًا
متدورش عليا برا إنت اللي محتاج تفتكرني جواك.
اتجمد.
نفس الجملة اللي سمعها قبل كده لكن من غير صوت.
وفجأة الباب اتفتح.
دخلت ممرضة.
ابتسمت ابتسامة عادية وقالت
كويس إنك فقت في حد كان بييجي يسأل عليك طول الفترة اللي فاتت.
رفع عينه بسرعة
مين؟
الممرضة سكتت ثانيتين، وبعدين قالت
ست كانت دايمًا تقعد في نفس المكان قدام الأوضة، بس النهارده ماجتش.
قلبه دق بسرعة.
شكلها إيه؟
هزت كتافها
مش واضحة قوي بس كانت تبصلك كأنها عارفاك كويس.
سكت.
وبعد ما خرجت الممرضة، فضل يبص للورقة في إيده.
وفجأة،
حس بنفس الإحساس القديم بيرجع مشهد بيتفتح جواه واحدة واحدة.
ست قاعدة قدام أوضة مستشفى
ممسكة إيديها مستنية
بس المرة دي الصورة مش واضحة.
كأن عقله بيمنعها تظهر كاملة.
همس لنفسه
أنا مين اللي كنت مستنيه؟
وفي اللحظة دي
الورقة اللي في إيده بدأت تتكرمش لوحدها من غير نار من غير سبب.
وكأنها بتختفي.
وقبل ما تتحول لرماد
ظهر آخر سطر فيها كان مخفي
لو افتكرتني هتفوق بجد.
رفع عينه فجأة.
بس الأوضة كانت فاضية.
والممر الطويل برا ماكانش فيه أي حد.
ولا حتى ظل الست اللي كانت مستنية.
وساعتها بس سامر فهم إن القصة لسه ماخلصتش.
وإن اللي فاق منه في المستشفى ممكن يكون بس أول طبقة من الحقيقة مش النهاية وقف في نص الشقة والهدوء المرة دي كان مختلف.
مش هدوء فاضي ده هدوء كأنه بعد النهاية.
اتلفت حوالينه ببطء، عينه على الصور اللي وقعت على الأرض.
كل صورة فيهم كانت بترجّع جزء من إحساس قديم كان مدفونه.
مسك صورة بإيده.
هو ومراته الأولى.
بس المرة دي لاحظ حاجة ماكانش واخد باله منها قبل كده
إنه في الصورة دي عينه مش عليها هي.
كانت عينه دايمًا بعيدة كأنه مش موجود معاها من الأساس.
همس لنفسه
أنا كنت فين طول الوقت ده؟
وفجأة الباب خبط خبطتين خفيفين.
اتجمد.
بص ناحية الباب.
الخبط اتكرر.
بس المرة دي مفيش أصوات تانية مفيش هواجس مفيش لعب في النور.
خطى ناحية الباب بحذر.
مد إيده.
فتح.
مفيش حد.
بس على الأرض ظرف أبيض تاني.
نزل جاب الظرف وهو حاسس إن قلبه هيقف.
فتحه.
جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
لو وصلت للمرحلة دي يبقى أخيرًا بدأت تفوق.
سكت.
وفجأة سمع صوتها قريب جدًا من ورا الباب وهو لسه مفتوح
فاكر لما قلتلك كنت بحبك؟
لف بسرعة.
مفيش حد.
بس الصوت كمل
كنت بحبك فعلًا بس إنت ماكنتش شايف.
رجع خطوة لورا.
والباب بدأ يقفل ببطء لوحده من غير إيد تمسكه.
قال بصوت مكسور
إنتي عايزة مني إيه؟
سكتت ثانيتين
وبعدين الرد جه كأنه جاي من جواه هو مش من برا
عايزاك تعترف.
أعترف بإيه؟
وفجأة كل حاجة سكتت.
حتى نفسه بقى مسموع.
وبعدين الصوت رجع
إنك ما خسرتنيش لما اتجوزت غيري
إنت خسرتني من أول مرة اخترت فيها نفسك عليا.
الدنيا بدأت تهتز حواليه.
الحيطة اللي قدامه بدأت تبان فيها انعكاسات مش صور ذكريات.
مشهد يوم ما تجاهل مكالمتها.
مشهد لما سابها تبكي وهو خارج.
مشهد وهو بيقفل الباب وهي بتنده عليه.
كل حاجة بترجع مرة واحدة.
وقع على ركبه.
وهمس
أنا آسف
سكتت لحظة طويلة.
وبعدين جاء الصوت الأخير، هادي جدًا
الاعتذار مش ليا دلوقتي
لنفسك.
وفجأة
كل حاجة اختفت.
لا صوت لا شقة لا باب لا صور.
بس بياض كامل.
وبعدين
فتح عينه تاني.
لقى نفسه قاعد على سرير أبيض في مستشفى.
وإيده متوصلة بأجهزة.
ودكتور واقف بيكتب في الملف وبيقول بهدوء
الحمد لله فاق أخيرًا من الغيبوبة.