الحكاية كانت قربت توصل لمحطتها الأخيرة.. خطوة واحدة فاضلة عشان يتقفل الفصل دا بالكامل وتفتتح الحياة الجديدة على نظافة! **الجزء التاسع والأخير** مرت سنة كاملة على يوم الطلاق.. سنة كانت كفيلة بأن تبدل أحوالي من حال إلى حال، وتثبت لي إن الرب لما بياخد حاجة بالظلــ,,ـــــم، بيبدلها بالأحسن والأعز.
مشروعي الصغير بتاع الأكل البيتي كبر بفضل الله وتوفيقه؛ ما بقتش مجرد ست بتطبخ في شقتها، فتحت محل صغير للمخبوزات والوجبات الجاهزة في الشارع الرئيسي بالمنطقة، واستعنت بتلات ستات معايا يساعدوني وبقى ليهم باب رزق من ورايا. بقيت أصحى كل يوم الفجر وأنا حاسة بقمة الفخر والحرية، ما حدش بيكسر عيني ولا يؤمرني ولا يقلل من كرامتي، وعيالي كبروا ودخلوا أفضل مدارس، وعايشين في عز وكرامة وأمان. في المقابل، الديرة دارت على العيلة إياها وجابتهم الأرض.
سليمان—جوز سلفتي—ما استحملش النكد والمشاكل اللي ما بتخلصش بين أمه ومراته، وقرر يرجع الكويت وياخد مراته معاه عشان يخلص من قرف العيلة ووجع الراس، وسابوا أمه قاعدة في الشقة لوحدها، لا حيل ليها ولا قوة، مالهاش حد يخدمها ولا يعملها لقمة أكل، بعد ما طردت البنت الأصيلة اللي كانت شايلتة ثمان سنين من غير كلمة. أما محمود، فذاق المر ألوان. النفقة والمؤخر ومصاريف المحاكم أكلوا شقاه، وبقى عايش مع أمه الخرفانة المريضة، يرجع من شغله طاحن نفسه عشان يطبخلها وينضف تحت رجلها ويغسل هدومها، يذوق بنفسه التعب والإهانة اللي كان يفرضه عليا وعايزني أعمله لسلفتي!
في يوم من الأيام، كنت نازلة من العمارة رايحة شغلي، متأنقة ومرفوعة الرأس، ومعايا عيالي لابسين أنضف لبس ورايحين تمارينهم. اتفاجأت بمحمود نازل على السلم، شكله كبر عشر سنين، ظهره منحني، وشحه شاحب، وهدومه مش متظضباطة. أول ما شافني وشاف العيال ونظافة عيشتهم والراحة اللي باينة عليا، اتسمر على السلم وعينيه اتملت دموع ندم وقهر. قرب خطوة بصوت مكسور يقطع القلب: ـ “ما شاء الله يا أم فلان.. بقيتِ حاجة كبيرة أوي، والعيال بقى شكلهم يفرح.. أنا أكلت نفسي بالندم يا بنت الناس، أقسم بالله الدنيا لفت بيا وشربت من نفس الكاس اللي سقيتهولك.”
بصيتله بهدوء وثبات تام، من غير كره ولا تشفي، بل بنظرة شفقة على راجل ضيع بيته وكرامته بإيده: ـ “الحمد لله يا محمود.. ربنا ما بيبقاش ظلام للعبيد. أنت اخترت الظلــ,,ـــــم وجحدت الفضل، وأنا اخترت كرامتي وربنا، وكل واحد فينا أخد اللي اختاره.”
محمود مسح دموعه بكسرة وقال: ـ “أمي فوق مسنودة على السر,,ـــــير ومبقتش تقوى تحرك دراعها، وكل يوم تبكي وتقول ‘سامحيني يا بنت فلان.. أنا اللي فتحت على ابني باب الجحيم’.. نفسك تسامحيها يا بنت الناس؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقولتله وأنا باخد عيالي في إيدي وبنزل السلم بخطوة واثقة: ـ “ربنا هو اللي بيسامح يا محمود.. أما أنا فسبت حقي لعدالة السماء، والحمد لله إن حسبي ونعم الوكيل جابتلي حقي تالت ومتالت في الدنيا قبل الآخرة.” خرجت للشارع والشمس كانت مالية الدنيا ضفء وأمل، ركبت عربيتي الصغيرة اللي اشتريتها من شقايا وعرقي، وبصيت لعيالي في المراية لقيتهم بيضحكوا. عرفت ساعتها إن النهاية مش دايماً بتكون بالرجوع والصلح المزيف.. النهاية الحقيقية هي إنك تسترد كرامتك، وتبني نفسك من جديد، وتعيش عزيز النفس.. والكتف اللي يشيل القهر ثمان سنين، قادري يهد المعبد وينور حياته من جديد!
**تمت**

