منوعات

كنت بتخانق مع مراتي

كل كلمة، وبدأت الحقيقة تضــ,,ـــــربني كالصاعقة أنا كنت الغلطان الأكبر.
أنا اللي سمحت لهم يدخلوا، أنا اللي سيبتهم يضــ,,ـــــربوها، أنا اللي خذلت الأمانة اللي كانت في رقبتي. أنا كنت غاضب منها، لكن الڠضب ما كانش مبرر أبدًا أتركها تتعرض للإهانة، خصوصًا من أهلي، وخصوصًا وهم بيعرفوا إنها وحيدة.
جريت على التليفون، وبدأت أتصل بيها، لكن الخط كان مغلق. اتصلت بأصحابها، بالجيران، بأي حد ممكن تكون راحت له، كلهم قالوا إنهم ما شافوهاش. نزلت تحت بسرعة، وسألت البواب، قال لي نزلت من ساعة ونص تقريبًا، كانت لابسة ملابس بسيطة، وشكلها تعبان، وركبت تاكسي ومشيت، وما قالتش رايحة فين.

رجعت للشقة، وقعدت في نفس المكان اللي كانت قاعدة فيه، وبدأت أتخيل حالتها وهي بتكتب الورقة، وهي بتجمع أغراضها، وهي بتخرج من البيت وهي حاسسة إنها بلا ملجأ. بدأت أتذكر أيام الخطوبة، وبداية الجواز، وكيف كانت سعيدة، وكيف كانت تقول لي أنت كل عائلتي دلوقتي. وكنت أضحك وأقول لها وأنا كمان. وطلع الكلام ده مجرد كلام، لما حصلت المحڼة، خذلتها.
بعدها بساعات، جاءت أمي وأختي عشان يطمنوا، أو بالأصح عشان يتأكدوا إنها اتعلمت الأدب. أول ما دخلوا، شافوا وجهي المتغير، والورقة على الأرض، وعرفوا إن في حاجة حصلت.
سألتني أمي ببرود إيه اللي حصل؟ هي فين؟ هربت؟

نظرت لها نظرة ڠضب لم تشوفهاش مني قبل كده، وقلت لها بصوت مرتعش من القهر أيوة هربت! وانتوا السبب! وإنما أنا أكتر منكم سبب! لما دخلتوا وبدأتوا ټضــ,,ـــــربوها وتهينوها، وقلتوا لها الكلام ده، كنتوا عارفين إنها يتيمة، وإنها مالهاش غيري، وكنتوا بتقصدوا توجعوها! وأنا كنت واقف ومتدخلتش، وده أكبر غلط عملته في حياتي! دلوقتي راحت، ومش عارف ألاقيها، وكل ده بسببنا!
اندهشت أمي، وقالت إيه الكلام ده؟ دي بنت قليلة الأدب، رفعت صوتها عليك، واحنا علمناها الأدب اللي محدش علمهولها! وانت لسه بتدافع عنها؟
رديت عليها پغضب الأدب مش بييجي بالضړب والإهانة يا أمي!

والكلام اللي قلتوه ليها ده مش تعليم أدب، ده إهانة لكرامة إنسانة! هي زوجتي، وأنا المسؤول عنها، ومش المفروض حد يتعامل معاها بالشكل ده، حتى لو أنتِ أمي! وأنا اللي أخطأت لما سمحت لكم، وسيبت الغيظ يسيطر عليا، ونسيت إنها أمانة في رقبتي!
خرجت أمي وأختي متعجبتين، وسيبوني لوحدي، وعالمي كله انهار. بدأت أيام تمر، وأنا بحاول أبحث عنها في كل مكان. رحت لبلدها القديمة، سألت الجيران هناك، قالوا لي إنها باعت شقتها القديمة من فترة، ومش عارفين عنوانها الجديد. سألت كل الأصدقاء المشتركين، كلهم قالوا إنها أغلقت كل حساباتها، ومش عايزة حد يعرف مكانها.
مرت الشهور، وبعدها السنين.

حياتي بقت فارغة تمامًا. البيت بقي هادئ لدرجة المۏت، مفيش ضحكة، مفيش صوت، مفيش حياة. كنت أروح الشغل، وأرجع، وأقعد لوحدي، وأفكر في كل لحظة، وأعيش ندم مستمر. عرفت إنني خسړت أغلى ما أملك، بسبب غبائي، وبسبب إنني سمحت لأهلي يتدخلوا في خصوصياتي، وبسبب إنني وضعت غيظي فوق كرامة زوجتي.
أمي وأختي حاولوا يقنعوني إنها مش كويسة، وإنها فرحت بالفرصة وهربت، لكن أنا كنت عارف الحقيقة، وكنت عارف إنها راحت لأنها خسړت الأمان اللي كانت بتبحث عنه.

وبعد مرور خمس سنوات كاملة، كنت قد بدأت أتقبل فكرة إنني مش هشوفها تاني، وإنها اختارت تبعد عشان تبدأ
حياة جديدة، وده حقها. لكن القدر كان له رأي تاني.
كنت في يوم في عمل، وجاني اتصال من رقم غريب. رديت، وسمعت صوت رجل يقول لي أستاذ أحمد؟ معاك مستشفى النور
التخصصي في مدينة الإسكندرية. عندنا مريضة اسمها سارة تعرضت لحاډث بسيط، ووجدنا رقمك مسجل في أوراقها القديمة كرقم طوارئ، وطلبنا نبلغك.
قلبي وقف للحظات، وبدأت أرتجف، وسألته بسرعة هي بخير؟ إيه اللي حصل؟

رد الحمد لله، الإصابات بسيطة، كدمات ورضوض، وهي في حالة مستقرة، بس الدكتور قال إنها تحتاج لمرافقة، وإنها ممكن تحتاج لدعم نفسي بسيط.
لم أنتظر لحظة، تركت كل شيء، وركبت أول قطار للإسكندرية، ووصلت المستشفى في أسرع وقت ممكن. سألت عن الغرفة، ودخلت بخطوات مترددة، قلبي بيدق بسرعة چنونية.
ولما فتحت الباب، شفتها. كانت قاعدة على السر,,ـــــير، وشكلها متغير شوية، بقت أطول، وملامحها أصبحت أكثر نضجًا، لكنها لسه نفس العيون، نفس الابتسامة الهادئة اللي كانت بتخلي الدنيا تضحك. أول ما شافتني، تجمدت مكانها، وعينيها اتسعت من الدهشة، ونزلت رأسها بسرعة.

وقفت على عتبة الباب، ومش عارف أتحرك، ولا أعرف أقول إيه. وبعد لحظات صمت طويلة، قلت بصوت واطي، مليان ندم وحزن جيت جيت أطمن عليكِ. سمعت بالحاډثة، وجيت أتأكد إنك بخير.
رفعت عينيها ببطء، ونظرت لي، وقالت بصوت هادئ، بلا ڠضب ولا حقد، بس ببرود واضح أنا بخير، شكرًا لاهتمامك. ما كان داعي تتعب نفسك وتيجي.
دخلت خطوة صغيرة، وقعدت على الكرسي البعيد شوية، وقلت لها أنا عارف إن مفيش كلام ممكن يمسح الماضي، ولا كلام ممكن يغير اللي حصل. بس أنا عايز أقولك شيء واحد آسف. آسف من كل قلبي.

آسف لأنني كنت ضعيف، وسيبت الغيظ يعمي عيني، ونسيت مسؤوليتي. آسف لأنني تركتك في موقف صعب، وكنتِ محتاجة ليا، وكنت غائب. آسف إنني خذلت الأمانة اللي كنتِ وضعتها فيا.
سكتت لحظات، وبدأت الدموع تلمع في عينيها، لكنها مسحتها بسرعة، وقالت الندم بييجي متأخر كتير يا أحمد. اللي حصل حصل، والچرح اللي اتفتح في القلب صعب أوي يلتئم. السنين اللي فاتت علمتني حاجات كتير، علمتني إن الكرامة مش بتعوض، وإن الثقة لما تنكسر مستحيل ترجع زي ما كانت. أنا عشت السنين دي لوحدي، وبنيت حياتي من الصفر، اشتغلت، ودرست، وكونت أصدقاء، وعرفت معنى إنك تعيش بكرامتك مهما كان الثمن.

نظرت لي، وكملت أنا مش بحمل لك حقد، ولا كراهية، لأن الكراهية بټأذي صاحبها. أنا مسامحتك، بجد، عشان أرتاح أنا، وعشان أقدر أكمل حياتي. لكن المسامحة مش معناها إننا نرجع زي ما كنا. الباب اللي أغلقته أنت بيدك، مش ممكن يتفتح تاني بنفس الطريقة.
سمعت كلامها، وكنت عارف إنها على حق، وإنني ما أملك الحق أطلب منها شيء. قلت لها أنا فاهم، ومش جاي أطلب منك ترجعي، ولا أطلب منك شيء. جاي بس عشان أسمع منك إنك بخير، وعشان أسمع إنك سامحتيني، عشان ضميري يرتاح شوية. وإن شاء الله، تكوني دائمًا في أمان وسعادة.

جلست معاها شوية، واتكلمنا في مواضيع عامة، عرفت منها إنها اشتغلت في مجال المحاسبة، وإنها سكنت في مدينة جديدة، وإنها عايشة حياة هادئة ومستقرة. شفت في عينيها القوة والاستقرار، وكنت سعيد عشانها، حتى لو كان السعادة دي بعيدة عني.
قبل ما أمشي، قلت لها لو احتجتي أي حاجة، أي حاجة في الدنيا، أنا موجود. مهما طالت السنين، أنا هفضل أحس إنني مسؤول عنك، ولو بالمعنوي.
ابتسمت ابتسامة بسيطة، وقالت شكرًا. وإن شاء الله، كل واحد فينا يكمل طريقه في سلام.

خرجت من المستشفى، وقلبي مليان بمشاعر مختلطة ندم، وحزن، وفي نفس الوقت راحة، لأنني عرفت إنها بخير، وإنها نجحت في حياتها. وعرفت الدرس اللي مش هنساه طوال عمري
الزوجة
مش مجرد شريكة حياة، هي أمانة، وكرامتها من كرامتك، وإنك لما تسيبها تتعرض للإهانة، حتى لو من أقرب الناس ليك، فأنت بتهدم بيتك، وتضيع أغلى ما تملك. العدل هو أساس الحياة الزوجية، والأمان هو أغلى ما تقدمه لشريكتك، وبدون الأمان، مفيش حياة ممكن تستمر.

ومن يومها، عشت حياتي وأنا أحاول أعوض الغلط، وكنت دائمًا أنصح كل من حولي، إن الزوج يجب أن يكون الدرع الذي يحمي زوجته، لا السيف الذي ېطعنها، وأن الأهل يجب أن يكونوا داعمين، لا متدخلين يهدمون البيوت.
وظلت قصة سارة وأحمد عبرة لكل من يقرأها، لتعلم أن الڠضب والغيظ قد يدفع الإنسان لفعل أشياء يندم عليها طوال حياته، وأن الكرامة هي الخط الأحمر الذي لا يجب تجاوزه أبدًا.
تمت

انت في الصفحة 4 من 4 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى