منوعات

جوزى كل يوم حكايات صابرين

في الأول أنكرت كل حاجة، واتهمت الجارة إنها بتفترى عليها. لكن مع مواجهة الأقوال، والأسئلة المتتالية، والتناقض اللي وقع فيه كلامها… بدأت تنهار واحدة واحدة. وفجأة… غطت وشها بإيديها، وانفجرت في البكاء. وقالت بصوت متقطع إنها عرفت وقتها إني حامل، وخافت أكون حامل في بنت تالتة، وإنها أخدتني بنفسها لست بتعالج بالأعشاب، وأجبرتني أشرب خليط كانت مقتنعة إنه ينظف الرحم ويخلصني من الحمل، وبعدها لما بدأت أنزف وأتألم، منعت ابنها إنه ينقلني للمستشفى، وكانت تردد طول الوقت:
هتقوم لوحدها… متفضحناش.

أمرت النيابة بعرض كل الأوراق على الطب الشرعي. وبعد مراجعة التقارير الطبية، خلص التقرير إلى أن فقدان الحمل في ذلك الوقت يُرجح طبيًا أنه ارتبط بما تعرضت له من اعتداءات متكررة، مع الإهمال في تقديم الرعاية الطبية اللازمة رغم ظهور أعراض خطيرة استوجبت التدخل العاجل. ومع صدور التقرير… اتبدلت القضية كلها. وما بقتش مجرد قضية زوج أساء معاملة زوجته. لأن التحقيقات كانت لسه ماشية، وكل يوم بيكشف سر جديد، لحد ما حصل اللي محدش فينا كان يتوقعه
في صباح يوم كنت راجعة فيه من جلسة تحقيق، رن تليفون والدي فجأة.

رد، وبعد ثواني لقيت لون وشه اتغير. بصلي بسرعة وقال بصوت مخنوق: البنت… بنتك الكبيرة مش موجودة في المدرسة. حسيت الدم انسحب من جسمي كله. جريت أنا وأبويا على المدرسة، وهناك المديرة كانت مستنيانا وهي في حالة ارتباك. قالت إن ست كبيرة راحت قبل انتهاء اليوم الدراسي، وقدمت نفسها على إنها جدة الطفلة، وأكدت إن الأم تعبانة في المستشفى وإنها جاية تاخدها بأمر من العيلة. ولأن البنت كانت عارفاها فعلًا… خرجت معاها من غير ما تشك لحظة.

أول ما سمعت الوصف… عرفتها. حماتي. صرخت من غير ما أحس. وحسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا. لسه القضية شغالة… ولسه التحقيقات مخلصتش… وبرغم كده، قدرت توصل لبنتي. في أقل من دقائق، المدرسة بلغت الشرطة، واتعمل محضر رسمي، وبدأت أجهزة الأمن تراجع كاميرات المراقبة الموجودة عند بوابة المدرسة والشوارع المحيطة. الكاميرات بينت كل حاجة.
ظهرت حماتي وهي ماسكة إيد بنتي وبتخرج بيها بهدوء، وبعدها ركبت تاكسي واختفت. لكنها مكانتش تعرف إن الكاميرات سجلت رقم العربية بالكامل.

ومن خلال تتبع خط سيرها، وقدرة رجال المباحث على الوصول للسائق، عرفوا المكان اللي نزلت فيه. وبعد ساعات من البحث… اتعملت مداهمة للمكان. واتلقوا بنتي قاعدة في أوضة صغيرة، مرعوبة وبتعيط، أول ما شافتني جريت عليا ورمت نفسها في حضني وهي بتصرخ: ماما…. حضنتها بكل قوتي، وفضلت أبكي وأنا بشكر ربنا إنها رجعتلي سالمة. أما حماتي… فاتقبض عليها في نفس اليوم، واتضافت للقضية تهمة جديدة بعد تعريض طفلة للخطر وأخذها دون حق. وبعد شهور طويلة من جلسات المحكمة، وسماع الشهود، وتقارير الطب الشرعي، وأقوال الأطباء والجيران…

صدر الحكم. عوقب جوزي بالسجن بعد إدانته بما نُسب إليه من اعتداءات متكررة وتعريضي أنا وجنيني للخطر. وصدر حكم على حماتي بعد ثبوت مسؤوليتها عن اشتراكها في الإيذاء، والإهمال الذي رجح التقرير الطبي أنه كان سببًا في فقدان حملي قبل سنوات، إلى جانب واقعة أخذ حفيدتها من المدرسة دون وجه حق. أما أنا… فحصلت على الطلاق للضرر، ورجعت أعيش في بيت أبويا، ومعايا بنتَيّ، ولأول مرة من سنين كنت بنام من غير خوف، ومن غير ما أصحى مفزوعة على صوت باب بيتفتح أو خطوات بتقرب من أوضتي.

ورغم إن حملي كان صعب، وكل الأطباء كانوا بيخافوا على الجنين في كل زيارة… إلا إن ربنا كتب له السلامة. وبعد شهور، سمعت أول صرخة ليه وهو بينور الدنيا. لما الممرضة حطته بين إيديا، بصيت له، وبعدين بصيت لبنتَيّ اللي كانوا واقفين جنبي، وابتسمت وسط دموعي.
وقلت وأنا بضمهم كلهم لحضني: ربنا رزقني ولد بعد بنتين… لكن أكبر نعمة رزقني بيها، إنه نجاني أنا وبناتي من بيت كان فاكر إن الرحمة ضعف، وإن الظلم حق.

ومن يومها كل ما حد يسألني عن أغلى حاجة كسبتها بعد السنين دي كلها… بقول: كرامتي… لأنها لما رجعت، رجع معاها عمري كله. تمت بحمد الله.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى