نادية لوت بوزها باستغراب وبصت للتليفون وقالت بعفوية: “ستة آلاف جنيه إيه يا مصطفى يا ابن أبويا؟ أنت باعت لي فلوس؟” في اللحظة دي، حسيت إن النفس انقطع عني، والحيطان بدأت تلف، وبصيت لخالد لقيت على وشة ابتسامة شماتة، ونادية مستنية الرد، ومصطفى سكت ثانية وقال: “يعني إيه ستة آلاف جنيه إيه؟!” حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم الكلمة طلعت من بق نادية زي القذيفة، والصمت حل في الصالة كأننا في مأتم. خالد وقف مربع إيده وعينه بتلمع بشر وشماتة، ونادية ملامحها بدأت تتغير من الفرحة للحيرة، وعينها بدأت تلف بيني وبين خالد والتليفون اللي في إيدها.
صوت مصطفى جِه من السماعة حاد ومخنوق، كأنه مش مستوعب: “يعني إيه باعت لك فلوس إيه يا نادية؟ أنتِ مبيوصلكيش الستة آلاف جنيه اللي بحولهم كل أول شهر مع صباح بقالي تلت سنين؟!” نادية شهقت وحطت إيدها على صدرها، وعلبة التليفون اتهزت في إيدها: “ستة آلاف جنيه إيه يا مصطفى؟ وعهد الله ما شفت منك مليم واحد من يوم ما سافرت! ده أنا باجي هنا أكنس وأمسح وأغسل المشايات لصباح عشان تديني لقمة عيشي بعرق جبيني، تقسم لي أربعة آلاف جنيه في الشهر بالعافية وتقولي كتر خيري إني مشغلاكي ومستورة من ورايا!”
الدنيا لفت بيا، والرؤية شوشت قدام عيني، وحسيت بركبي بتخبط في بعضها. بصيت لخالد لقيته بيبتسم ابتسامة صفرا تفرس، ورفع التليفون وقرب المايك من نادية وقال: “اتكلمي يا نادية، اتكلمي وعرّفي أخوكي الأمانة كانت بتوصل إزاي! الست صباح كانت مقعداكي خدامة بفلوس أخويا، وبتشيل الباقي في البوسطة!” مصطفى صوته طلع من التليفون زي زئير الأسد المجروح، صرخة هزت حيطان الشقة: “يا صباح!!! يا خاينة الأمانة! بقى بتشغلي أختي الأرملة خدامة عندك؟ وبتاكلي مال اليتامى؟ وبتكدبي عليا وتقولي الفلوس بتوصلها يد بيد؟! ده أنا بطحن نفسي في الغربة عشان مستورين، تقوموا تذلوها بفلوسي وتعملي عليها هانم؟!”
نادية بكت، دموعها نزلت سخنة على وشها الشقيان، وبصت لي بنظرة عمري ما هنساها.. نظرة كسرة وخذلان، وقالت بصوت يقطع القلب: “بقى بتشغليني عندك يا صباح؟ بتخليني ألم زبالتك وأمسح سِلمك بفلوس أخويا؟ وأنا اللي كنت بقول عليكي أختي وبلسم جرحي؟ كنتي بتمنّي عليا بالأربعة آلاف وتقوليلي عشان مطمعيش، وأنتِ واكلة من حق عيالي اليتامى ألفين جنيه كل شهر؟!” حاولت أتحرك، حاولت أنطق، مفيش فايدة، لساني كان مربوط وزي الخشبة. قولت بصوت متحشرج ودموعي نازلة من الرعب: “يا مصطفى.. اسمعني بس.. والله أنا كنت بعمل كده عشان مأحسسهاش بالحسنة.. قولت تشغل إيدها عشان كرامتها..”
مصطفى قاطعني بصرخة سمعتها العمارة كلها: “خرس لسانك! كرامتها؟ أنتِ دبحتي كرامتها وذلتيني وذلتي أختي! اسمع يا خالد.. وعهد الله ما تقعد في البيت ده دقيقة واحدة، لم لها هدمتها وارميها برة البيت، ورقتها هتوصلها عند أبوها قبل ما الفجر يِشقشق! الست اللي تاكل مال اليتامى وتذل أخت جوزها متلزمنيش!” خالد قفل الخط وبص لي بنظرة كلها قرف وقال: “سمعتي يا هانم؟ يلا، وريني عرض كتافك، مش عاوز أشوف وشك في بيت أخويا”.
نادية رمت علبة التليفون على الكنبة، وبصت للجردل والمساحة، وقامت لامة حاجتها وهي بتعيط بحرقة وتقول: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا صباح.. حسبي الله ونعم الوكيل.. كلتيني لحم ورميتيني عضم”. وطلعت تجري على السلم وهي بتصوت وتعيط.
وقفت في نص الصالة، وخالد واقف مراقبني، وعقلي اتشل تماماً.. بيتي اتخرب في ثانية، وسري اللي دفنته تلت سنين طلع وفضحني قدام الكل، وجوزي طلقني في التليفون.. لميت الهدوم في الشنطة وإيدي بتترعش، وأنا مش عارفة هروح فين ولا هقول لأهلي إيه.. بس وأنا بقفل الشنطة، عيني جت على كارت البوسطة اللي فيه الفلوس المحوشة، وفجأة، تليفوني رن تاني.. افتكرته مصطفى، جريت وفتحت الخط وأنا بصرخ: “سامحني يا مصطفى!”.. بس الصوت اللي جِه مكانش صوت مصطفى.. ده كان صوت حد تاني خالص، قلب كياني وخلاني أقف مكاني مذهولة!
الصوت اللي جِه في التليفون كان صوت غريب، نبرة جافة وفيها غلّ مكتوم. “ألو.. صباح معايا؟” مسحت دموعي بسرعة وحاولت أجمع صوتي المخنوق وقولت: “مين؟ مين معايا؟” الطرف التاني ضحك ضحكة باردة سقعت الدم في عروقي وقال: “أنا رجب.. جوز أم أحمد جارتكم القديمة. افتكرتيني؟ ولا الفلوس اللي بتدخليها البوسطة كل شهر من ورا جوزك تنسيكِ أصحاب الفضل؟”
تسمرت في مكاني والشنطة في إيدي. رجب ده كان شغال موظف في مكتب البريد اللي في أول الشارع، وهو اللي كان بيخلص لي إشاعات الإيداع كل شهر من غير ما حد ياخد باله. قولت له برعب وصوت واطي عشان خالد واقف برة الصالة: “عايز إيه يا رجب؟ وأنت بتتصل بيا في وقت زي ده ليه؟ أنا بيتي بيتخرب!”
رجب قال بنبرة تهديد صريحة: “بيتك بيتخرب؟ طب كويس إني لحقتك قبل ما تتطردي. اسمعي يا صباح.. جوزك مصطفى كلمني من شوية على تليفوني، بيستعلم عن الحسابات وبيرغي معايا بحكم المعرفة، وسألني لو كنت بشوفك بتدخلي البوسطة. أنا قولت له مفيش الكلام ده ومبشوفهاش.. بس اللسان لوز يا صباح، وعشان يفضل مربوط، عاوز خمسة آلاف جنيه حالا.. وإلا هطلب مصطفى تاني وأقول له إنك محوشة أكتر من سبعين ألف جنيه من عرق أخته ويجي ياخدهم منك يد بيد!”
قفلت السكة في وشه وأنا بنهج، الدنيا اتقفلت في وشي من كل ناحية.. جوزي طلقني، وخالد واقف مستني يرميني في الشارع، ورجب جاي يبتزني في الفلوس اللي حوشتها! طلعت الصالة أجر الشنطة، خالد بص لي بقرف وشاور على الباب: “يلا.. مش عاوز أشوف وشك هنا، وأنا هاخد نادية والعيال وأروح بيهم شقتهم، ومصطفى زمانه على وصول مصر في أول طيارة عشان يخلص الحساب القديم والجديد”.
خرجت من باب الشقة والدموع عامية عيني، السلم كان ضلمة كأنه قبري. نزلت الشارع وأنا مش عارفة أروح فين.. لو رحت لأهلي وفهموا إني اطلقت عشان أكلت مال اليتامى وشغلت أخت جوزي أرملة خدامة، أبويا ممكن يتبرأ مني. مشيت في الشوارع لحد ما الساعة بقت تنين بالليل، ومفيش قدامي غير حل واحد.. أروح لـ نادية! لازم أروح وأبوس على رجلها، وأرجع لها كل مليم في البوسطة قبل ما مصطفى ينزل مصر، هي الوحيدة اللي ممكن تلين وتكلم أخوها تقوله يسامحني.
وصلت عند بيتها.. بيت قديم في حارة سد، طلعت السلم بخطوات مرعوبة وخبطت على الباب بالراحة. ثواني والباب اتفتح.. بس اللي فتحت مكانتش نادية.. دي كانت “حماتها” الست الكبيرة، وبصت لي بعيون كلها غضب وشر وقالت: “أهلاً يا ست صباح.. جاية لحد هنا برجلِك؟ ده إحنا كنا لسه بنجيب في سيرتك!”
وقبل ما أنطق بكلمة، سمعت صوت حركة جوة الشقة، وطلع خالد ومعاه راجلين من كبار الحتة، ونادية قاعدة في الصالة بتعيط. خالد بص لي وضحك ضحكة عالية هزت البيت وقال: “كنت عارف إنك هتيجي هنا يا صباح.. أهي المجرورة جت برجلها يا جماعة.. يلا يا نادية، هاتي كشف الحساب اللي مصطفى بعتهولك على الواتساب دلوقتي حالا، عشان نقعد القعدة العرفية ونشوف الست هانم هترد الفلوس دي إزاي قبل ما نعمل المحضر!”حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الرجالة كبار الحتة وسعوا لي في الصالة، وبصاتهم كلها لوم واحتقار ونظراتهم تذبح. دخلت ورجلي مش شايلاني، الشنطة في إيدي ثقيلة كأني جارة ورايا هموم الدنيا. نادية كانت قاعدة على الكنبة، وشها أحمر من العياط وفي إيدها تليفون قديم بتهزه وهي مش مصدقة. خالد شاور للراجل الكبير اللي قاعد في صدر الأوضة وقال: “أهي جت يا حاج رفعت.. الست صباح بنفسها، الحرامية اللي كلت مال اليتامى وجاية دلوقتي تدور على مخرج بعد ما أخويا رمى عليها اليمين في التليفون”.