— ندى.. بصيلي هنا. كريم الشناوي انتهى، واللي بره دول لو كانوا يقدروا يعملوا حاجة مكنوش استخبوا ورا تليفون دولي ماسكينه وجايين يهددوا بيه ست في مكتبها. إنتي مش لوحدك، إنتي معاكي سيف المنشاوي، ومعاكي اللواء أحمد عبد الرحمن. وزي ما دوقنا كريم الأدب بالقانون، أي حد هيفكر يمس شعرة منك أو من ابننا.. هندفنه مكان ما هو واقف.
في نفس الليلة، سيف بلغ اللواء أحمد بالمكالمة. اللواء أحمد مأخدش الموضوع باستهتار، وخلال 24 ساعة، بالتنسيق مع الجهات الأمنية والإنتربول الدولي، اتعرفت هوية صاحب الرقم.. طلع أخو كريم من أبوه، عايش في دولة عربية وهربان من قضايا شيكات ونصب هناك. وبأمر سيادي، تم إدراج اسمه على قوائم الترقب والوصول، وبقى ممنوع يدخل مصر، واتعملت عليه قضية تهديد وترويع دولي.. وبكدة، اتقطعت آخر فروع الشجرة دي قبل ما تفكر تنبت من تاني. بعد مرور خمس سنين..
الزمان: يوم مشمس وجميل في حديقة فيلا اللواء أحمد. المكان: حفلة عيد ميلاد صغيرة ومبهجة، بس مش زي حفلات زمان.. دي كانت حفلة مليانة حب حقيقي ودفا. أحمد الصغير بقى عنده خمس سنين، لابس قميص أبيض وبنطلون جينز، وعينيه بتلمع بالذكاء والشقاواة، وعمال يجري ورا الكورة في الجنينة ويضحك بصوت عالي: — بابا سيف! شوت الكورة يلا يا بابا!
سيف كان بيجري وراه وبيضحك من قلبه، وشاط له الكورة وأخده في حضنه ورفعه لفوق في الهواء، وأحمد بيضحك وصوت ضحكته مالي المكان. اللواء أحمد كان قاعد على كرسي هزاز، لابس نظارته وباصص لهم وابتسامته واصلة لقلبه، حاسس إنه أدى الأمانة وصان بنته وحفيده.
ندى كانت واقفة بره البلكونة، ماسكة كباية عصير، ولابسة فستان رقيق.. بطنها كانت بارزة شوية، لأنها كانت حامل في الشهر الخامس بـ “بنت”، وسيف صمم يسميها “ندى” على اسم أمها. ندى بصت لأحمد وهو في حضن سيف، واضايقت للحظة لما افتكرت الماضي، بس بسرعة الابتسامة رجعت لوشها.. لأنها عرفت إن ربنا عوضها بـ “الراجل” اللي بجد، اللي شال ابنها في قلبه وعينه قبل ما يشيله على إيده.
وفي زاوية ضلمة من الدنيا.. وتحديدًا في مصحة الرعاية الحكومية، كانت الحاجة سهير قاعدة على كرسي متحرك، مشلولة تمامًا، عينيها متبتة في الحيطة، ومش قادرة حتى تذوب دبانة عن وشها، تفتكر ابنها اللي في السجن، وتبكي دموع عاجزة من غير صوت. وكريم، جوه زنزانته، لسه بيعد الأيام والسنين اللي باقية من عقوبته، وحيد، منبوذ، وضاعت حياته وهيبته تحت حيطان ليمان طره. سيف ساب أحمد يجري، وقرب من ندى، حط إيده على كتفها وبص معاها على ابنهما وهو بيلعب:
— بتفكري في إيه يا سيادة المستشارة؟ ندى سألت راسها على كتفه وأخدت نفس عميق من الهوا النظيف: — بفكري في حكمة ربنا يا سيف.. وفي الطريق اللي مشيناه. ### الحكمة من القصة: > **”البيوت لا تُبنى بالوجاهة الاجتماعية والبدل الأنيقة، بل تُبنى بالمودة والرحمة والصون في أوقات الشدة.”** > إن الرجولة ليست مجرد كلمة أو مظهر خارجي يُزين المرايا، بل هي “مواقف وأمان”. المرأة قد تتحمل الفقر، وقد تتحمل قسوة الظروف، لكنها أبداً لا تنسى “الرجل” الذي تركها تنزف وحيدة ليشتري رضا كبريائه وأنانية أهله.
> والعدالة الإلهية بطيئة لكنها حاسمة؛ فمن ترك نفسًا تموت عجزًا ووحدة، دارت الأيام وسقاه الله من نفس الكأس ليذوق مرارة العجز والوحدة وهو حي يرزق. حقق الله العدالة لندى، ليس فقط لأن أباها لواء، بل لأن دموع المظلوم في جوف الليل هي أسرع سهم يصل إلى عرش الرحمن. > **تمت القصة.** الكاتب رومانى مكرم
