اللواء أحمد ما ردش، فتح الباب وشاور للشخص اللي واقف برة.. دخل شاب طويل، أسمر، ملامحه رجولية وجادة، ولابس بدلة أنيقة.. أول ما ندى شافت وشه، قلبها دق بسرعة جنونية، وعينيها وسعت من الصدمة، والموبايل اللي كان في إيدها وقع تاني على الأرض.. بس المرة دي مش من الوجع، المرة دي من المفاجأة. كان سيف المنشاوي.. واقف قدامها بشحمه ولحمه، وعينيه مليانة دموع ولهفة! ملحوظه مهمه لو عاوزه القصص كامله بدون مقاطعه اعملو متابعه لصفحه رومانى مكرم
الجزء السابع: سيف كان واقف عند باب الأوضة، عينه منزلتش من على ندى. ملامحه اللي كانت دايماً قوية وجادة، دلوقتي كانت مهزوزة ومليانة مشاعر مكبوتة بقالها سنين. ندى كانت بتبص له وهي مش مصدقة، حاسة إنها في حلم أو إن الغيبوبة لسه مأثرة على مخها. حضنت ابنها أكتر كأنها بتستمد منه القوة عشان تتأكد إنها صاحية. سيف أخد خطوة واحدة لجوة الأوضة، صوته طلع دافي ومتحشرج: — حمد الله على سلامتك يا ندى.. كدة تخضيني عليكي؟
ندى دموعها نزلت من غير ما تحس، وبصت لأبوها اللواء أحمد اللي كان واقف مبتسم بهدوء، وبعدين رجعت بصت لسيف وقالت بصوت يادوب مسموع: — سيف؟ إنت بجد هنا؟ أنا مش بحلم؟ إنت سافرت وسبتني.. كريم قالي إنك.. سيف قاطعها بسرعة وهو بيقرب من السرير، وعينيه لمعت بالندم والغضب:
— كريم كداب يا ندى.. كريم وعيلته عملوا عليا فخ مطلعش منه غير وأنا برة البلد وممنوع أدخلها. زوروا قضايا وشغلوا نفوذهم عشان يهددوا أبويا الله يرحمه في لقمة عيشه وصحته. أنا مسافرتش بإرادتي، أنا اتهجرت من حياتي ومنك.. وكنت فاكر إنك بقيتي مبسوطة وعايشة حياتك، لحد ما سيادة اللواء كلمني من يومين وحكالي على كل حاجة. اللواء أحمد حط إيده على كتف سيف وبص لندى:
— سيف مسبكيش يا ندى. سيف لما عرف باللي حصل، ساب كل شغله في دبي ونزل على أول طيارة. الراجل بيبان في الشدائد يا بنتي.. وكريم الشناوي كان لازم يتعرى قدامنا كلنا عشان الحقيقة تظهر. أنا هسيبكم دلوقتي تتكلموا، وعندي مشوار مهم في النيابة لازم أخلصه. اللواء أحمد خرج وقفل الباب وراه، وساد الهدوء في الأوضة. سيف قعد على الكرسي اللي جنب السرير، عينه راحت للطفل الصغير اللي في حضن ندى، وابتسم بحنان: — ما شاء الله.. شبهك جدًا يا ندى. مسميتيهوش إيه؟
ندى مسحت دموعها وابتسمت وسط دموعها: — لسه مسميتهوش.. كنت مستنية أقوم بالسلامة. بس شكلي هسميه “أحمد” على اسم بابا.. هو اللي أنقذ حياتنا. سيف هز راسه بالموافقة: — عاشت الأسامي.. يتربى في عزك وعز سيادة اللواء. ندى.. أنا مش جاي عشان أفرض نفسي على حياتك دلوقتي، أنا عارف إنك خارجة من كارثة. أنا بس جاي أقولك إن الضهر اللي كريم هدهولك، أنا موجود عشان أبنيه من تاني.. ومش هتحرك من مصر غير وأنا مطمن إن حقك رجع بالكامل، وإنك بقيتي في أمان.
في نفس الوقت، في مكان تاني تمامًا.. وتحديدًا في سجن طره. كريم الشناوي كان قاعد في زنزانة الترحيلات وسط المجرمين والمسجلين خطر. شكله بقى يصعب على الكافر؛ وشه متبهدل، ودقنه كبرت، وعينيه بقت حمرة من قلة النوم والخوف. دخل السجان وخبط على الحديد بصوت عالي: — المتهم كريم الشناوي! عندك زيارة.. اخلص. كريم قام بيجري كأنه غريق وشاف قارب نجاة. افتكر إن أمه جابت واسطة كبيرة عشان تخرجه، أو إن المحامين لقوا ثغرة في القضية. خرج بسرعة وراه العسكري لحد أوضة الزيارة اللي يفصلها سلك حديد ضخم.
أول ما دخل، لقى اللي قاعدة مستنياه مش أمه.. دي كانت الدكتورة دينا فؤاد، وبجوارها الأستاذ رفعت محامي اللواء أحمد، ومعاهم ضابط تنفيذ أحكام. كريم اتصدم ورجع لورا: — إنتي؟ جاية ليه؟ فين أمي؟ فين المحامين بتوعي؟ الدكتورة دينا بصت له بنظرة احتقار شديدة، وطلعت من شنطتها ورق وحطته على السلك:
— مفيش أم ومفيش محامين يا كريم. أنا جاية هنا بصفتي الطبيبة اللي كانت متابعة حالة ندى، وبصفتي شاهدة إثبات رئيسية في القضية الجنائية اللي مرفوعة عليك. أنا جيت أقولك إن شهادتي في النيابة النهاردة اتقفلت.. وأنا قدمت كل الرسايل والتحذيرات اللي بعتهالك على تليفونك، وقدمت تقرير الطوارئ اللي بيثبت إنك كنت قاصد تسيبها تموت. المحامي رفعت اتدخل بصوت جهوري وهادي:
— ومش بس كدة يا باشمهندس.. أنا جاي أسلمك الإعلان ده بصفتي وكيل عن الأستاذة ندى أحمد عبد الرحمن.. قضية خلع وتنازل عن الولاية التعليمية والوصاية على الطفل، مع حرمانك من الرؤية لحين صدور حكم نهائي في قضية الشروع في القتل والإهمال. إنت انتهيت يا كريم.. رسميًا وقانونيًا. كريم بدأ يضرب على السلك الحديدي بهيستريا ويصرخ: — مش هطلق! مش هسيبها تاخد ابني! دي مراتي! أنا معملتش حاجة.. أمي هي اللي قالتلي! روحوا قبضوا على أمي!
الضابط اللي واقف جنب المحامي قاله ببرود: — والدتك الحاجة سهير متقدم فيها بلاغ حاليًا بالتحريض والمشاركة في جريمة تعريض حياة مواطنة وجنينها للخطر، وقوة من مباحث مدينة نصر رايحة تفتش شقتها دلوقتي عشان تطلبها للتحقيق.. يعني مفيش حد برة هيشيلك يا كريم، إنتوا الاتنين هتحصلوا بعض جوة. كريم ركبه سابت تماماً واقعد على الأرض جوة القفص وهو بيصرخ ويبكي، والعساكر سحبوه لداخل الزنزانة وصوت صريخه مالي الممرات. بعد يومين.. ندى خرجت من المستشفى أخيرًا.
العربية وقفت قدام فيلا اللواء أحمد في التجمع الخامس.. المكان اللي هتبدأ فيه حياتها الجديدة. سيف كان هو اللي سايق العربية، ونزل بسرعة فتح الباب لندى، وشال عنها الشنط وهو بيطمن عليها في كل خطوة. ندى دخلت الفيلا وهي شايلا ابنها “أحمد”، وحست لأول مرة بنسمة هوا نضيفة تدخل صدرها بعد سنين من الخنق والتحكم والإهانة. اللواء أحمد جمعهم كلهم في صالون الفيلا، وبص لسيف وندى وقال بنبرة حاسمة:
— القضية هتنزل أول جلسة جنايات الأسبوع الجاي.. وكريم وأمه هيتحاكموا محاكمة عادلة وهياخدوا جزاءهم. بس أنا عايز يقين نفسي لبنتي.. عايزها تبدأ حياتها وهي عارفة إن اللي جاي ملوش علاقة باللي فات. سيف بص لندى وقال وعينيه مليانة صدق: — وأنا مستعد أستنى العمر كله يا سيادة اللواء.. المهم ندى ترجع تقف على رجليها وتفتح مكتبها من تاني.. وأنا هكون أول واحد واقف في ضهرها. ندى بصت لسيف، ولأول مرة تحس إن قلبها بيطمن بجد، وإن الوجع اللي عاشته على بلاط المطبخ كان هو التمن الباهظ عشان تخرج من سجن كريم وترجع لحضن الأمان.
لكن.. في نفس اللحظة دي، وتحديدًا في شقة الحاجة سهير في مدينة نصر.. القوة الأمنية كانت واقفة قدام الباب المقفول، والضابط بيخبط بعنف: “افتحي يا مدام سهير.. معاكي أمر ضبط وإحضار من النيابة!”. جوة الشقة.. كانت الحاجة سهير قاعدة في الضلمة، وشها شاحب كأنه جثة، وفي إيدها تليفونها وبتبص على صور ابنها كريم وهي بتترعش. فجأة، سمعت صوت كسر الباب الخارجي ودخول العساكر.. الست قامت مفزوعة، وبصت من شباك البلكونة لقت عربيات الشرطة مالية الشارع والناس بتبص لفوق.
سهير مسكت قلبها وحست بوجع رهيب، نفس الوجع اللي ندى حست بيه وهي في المطبخ.. وجع غريب ومفاجئ، ووقعت على سجادة الصالون وهي مش قادرة تاخد نفسها، وعينيها بتلف في الأوضة الفاضية.. وهي بتهمس باسم ابنها اللي ضيعته وضيعها معاها. الجزء الثامن: العساكر كسروا باب الشقة ودخلوا والأسلحة في إيديهم، لكن أول ما الضابط خطى جوة الصالون، وقف مكانه واتصدم. الحاجة سهير كانت مرمية على السجادة، إيدها قابضة على صدرها بعنف، وتليفونها اللي عليه صورة كريم واقِع جنب راسها. وشها كان أزرق وعينيها مفتوحة على الآخر وبتبص للسقف بذهول، والنفس خارج منها بصعوبة وزي الحشرجة.
الضابط وطى عليها بسرعة، حط صوابعه على رقبتها يشوف النبض، وصرخ في العساكر: — اطلبوا الإسعاف فورًا! الست دي بتجي لها جلطة في القلب! المشهد كان فيه عدالة إلهية غريبة ومخيفة؛ الست اللي سابت ندى تنزف وتموت لوحدها عشان “برستيج” حفلتها، كانت دلوقتي بتموت لوحدها في شقتها، والشرطة اللي جاية تقبض عليها هي اللي بتحاول تنقذها. عربية الإسعاف جت وشالتها ونقلوها على مستشفى عين شمس التخصصي تحت حراسة مشددة. الدكاترة دخلوا بيها على الرعاية المركزة، والتقرير المبدئي قال: “احتشاء حاد في عضلة القلب (جلطة) نتيجة ضغط عصبي شديد، والحالة غير مستقرة”.
في نفس الوقت، وتحديدًا بعد مرور أسبوع، كانت محكمة جنايات القاهرة في التجمع الخامس مقلوبة. قاعة المحكمة كانت مليانة على آخرها بالصحفيين والمحامين، لأن القضية بقت قضية رأي عام، والكل بيتكلم عن “مهندس مدينة نصر اللي ساب مراته الحامل بنزيف عشان يحضر عيد ميلاد أمه”. كريم الشناوي دخل القفص الحديدي، وكان في حالة يرثى لها. شعره المحلوق ميري، وجسمه اللي خس النص، والكلبش اللي رابط إيده بإيد عسكري الحراسة. كان بيبص حواليه برعب، لحد ما عينه جت على المقاعد الأمامية في القاعة.
هناك.. كانت قاعدة ندى عبد الرحمن. لابسة فستان أسود أنيق، ووشها رجع له النور والصحة، وجنبها كان واقف سيف المنشاوي ببدلته، واللواء أحمد عبد الرحمن قاعد بهيبته ووقاره في أول صف. ندى بصت لكريم نظرة واحدة.. مكنش فيها غل ولا انتقام، كانت نظرة “قرف وشفقة”، كأنها بتبص لشيء ملوش أي قيمة في حياتها. كريم أول ما شافها، دموعه نزلت وصاح من ورا القضبان بصوت مكسور: — ندى! سامحيني يا ندى! أنا اتدمرت جوه.. أبوس إيدك تنازلي عن القضية.. أنا ابننا محتاجني!
ندى لفت وشها الناحية التانية ببرود تام، وسيف حط إيده على كتفها عشان يطمنها ويثبتها. “محكمة!”.. صرخ الحاجب، والكل وقف في ثانية. دخل المستشار رئيس المحكمة ووعلى يمينه ويساره اليمين واليسار من القضاة الأجلاء. بدأت الجلسة، ووقف الأستاذ رفعت، محامي ندى، وفجر مفاجأة قانونية جديدة هزت القاعة. وقف قدام المنصة وقال بصوت جهوري: