أصبحت الإقامة في شقتي أشبه بالمشي على حقل ألغام، لا أعلم متى ولا أين ستنفجر القنبلة القادمة. وجود هدى تحت نفس السقف حول كل غرفة إلى ساحة محاكمة صامتة؛ تحركاتها الهادئة، ونظراتها التي تحاصرني في أركان البيت، كانت كفيلة بأن تجعلني أعيش في حالة ذعر دائم.
كانت تتقن اللعب على أعصابي ببراعة مرعبة. أمام زوجتي، تتصرف كأخت مكسورة ومستسلمة لحزنها، لكن بمجرد أن تتوارى زوجتي في المطبخ أو تخرج لقضاء جلب للبيت، تتحول هدى إلى شبح يطاردني. لم تكن ترفع صوتها، بل كان صمتها ونظراتها الأقسى. كانت تترك أحياناً مستلزماتها الجامعية على دفتر مكتوب عليه بخط يدها عبارات مجردة، مثل: “القاتل لا يهرب من عقابه”، وتتعمد أن تترك الأوراق في مكان أستطيع رؤيته وحدي، ثم تسحبها ببرود قبل أن تلمحها أختها.
في إحدى الليالي، أعدت زوجتي العشاء وجلسنا جميعاً على المائدة. كانت الأجواء ثقيلة، والصمت هو السيد. حاولت أن أفتح أي موضوع لكسر هذه الكتمة التي تخنقني، فقلت بنبرة حاولت أن تكون طبيعية: “على فكرة يا هدى، أنا كلمت زميل لي في الكلية عندك عشان يسهلك ملخصات المواد قبل الامتحانات…” قبل أن أتم جملتي، رفعت هدى عينها من طبقها، وبصتلي بنظرة أبرد من الثلج، وقالت بصوت هادئ خالي من أي انفعال: “شكراً يا أستاذ.. بس أنا مبقبلش أي مساعدة منك. ولا خدمات، ولا معارضة، ولا أي حاجة بتيجي من طرفك. ياريت تخليك في حالك وفي بيتك وبس.”
زوجتي اتفاجأت بالنبرة الحادة، وحطت المعلقة من إيدها واستنكرت: “هدى! في إيه يا بنتي؟! الراجل بيحاول يساعدك ويهون عليكي الظروف، إنتِ ليه بترميكلام دبش كده من يوم وفــ,,ـــــاه بابا؟ هو عملك إيه عشان تعامليه بالطريقة دي؟” لحظتها، توقفت الأنفاس في صدـ,,ـــري. حسيت إن الوقت اتجمد. هدى بصت لأختها، وبعدين لفت عينها ناحيتي، واستقرت نظرتها على ملامحي المرتعدة، ورسمت على شفايفها ابتسامة صغيرة، مسمومة، وقالت وهي بتلعب بالمعلقة: “سأليه هو يا أبله.. سأليه هو عمل إيه عشان أغير معاملتي معاه كده. يمكن هو عنده إجابة تفيدك.”
الدم جف في عروقي، وركبي خارت تحت الطاولة. كنت مستني الصدمة، مستنيها تنطق وتنهي الكابوس ده في ثانية واحدة وتدمر كل حاجة. زوجتي بصتلي باستغراب وشك، وقالت:
“في إيه يا حبيبي؟ هو حصل بينكم حاجة أنا معرفهاش؟” بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي خرج مبحوح ومكتوم: “لا.. مفيش.. يمكن هدى بس مضغوطة من الامتحانات ومن حزنها على عمي الله يرحمه…” هدى قامت من على المائدة ببرود، وقفت وبصتلي النظرة الأخيرة قبل ما تمشي ونطقت بصوت واطي بس يرن في الصالة:
“الله يرحمه.. فعلاً، الضغط شديد أوي لما الواحد يكون عايش مع مجرم وبيشوفه كل يوم بيمثل دور البريء.” سابتنا ودخلت أوضتها وقفلت الباب. زوجتي فضلت تبصلي بحيرة وقلق، وأنا قاعد مش قادر أرفع عيني في عينها. الذنب كان بياكل في جسمي، والتفكير شل عقلي تماماً. أنا بقيت أسير في بيتي، مهدد في كل لحظة بفضيحة مش هتبقي ولا هتذر. وفي الليلة دي بالذات، بعد ما زوجتي نامت، سمعت حركة خفيفة في الصالة. خرجت من الأوضة بالراحة، ولقيت هدى واقفة في الضلمة عند شباك البلكونة، ماسكة تليفونها وبتبص للشارع.
قربت منها بخطوات مرعوبة، وقلت بصوت واطي يترجى: “هدى.. لغايت إمتى؟ هتفضلي تعذبيني وتلعبي بأعصابي كده لحد إمتى؟ قوليلي عاوزة إيه واخلصي مني!” لفت وشها ليا في الضلمة، وملامحها كانت جامدة زي الرخام، وقالت بنبرة خالية من أي رحمة: “اللي بدأته بإيدك يا خاين.. مش إنت اللي تنهيه. أنا اللي هحدد النهاية، وفي الوقت اللي أختي تكون فيه مستعدة تتحمل الصدمة.. ودلوقتي، ارجع جحرك ونام جنبها، وفكر في الجري\مة اللي ارتكبتها كل ما تقفل عينك.”
عدت الأيام والتسويف النفسي اللي كانت هدى تمارسه عليا تحول لشيء أشبه بالمرض؛ بقيت أصحى كل يوم وأنا بسأل نفسي: “هل النهاردة هو يوم السقوط؟” التوتر العصبي انعكس على صحتي وعلى شغلي، خسرت وزني، الهالات السودة غطت وشي، وصرت أتهرب من القعدة في الصالة أو فتح أي كلام مع مراتي عشان عيني ما تفضحنيش. ومع اقتراب امتحانات أخر السنة لـ هدى، بدأت الأحداث تاخد منحنى مرعب، التوتر في البيت كان وصل لذروته.
في يوم كان يوم جمعة، مراتي نزلت بدري تشتري طلبات البيت وتزور أمها، وسابتني في الشقة مع هدى. كان الصمت في البيت مسموع، زي الصمت اللي بيسبق العاصفة تماماً. كنت قاعد في أوضة المكتب، وسمعت صوت خطوات هدى بتقرب من الباب. الباب اتفتح بالراحه، ووقفت هي على العتبة. ملامحها كانت أشد جدية من أي وقت فات، ومسكة التليفون في إيدها كانت بتقول إن في حاجة اتغيرت.
دخلت الأوضة وقفلت الباب وراها. أنا وقفت على حيلى فوراً، وإيدي كانت بتترعش على سطح المكتب.
“هدى.. في إيه؟” صادر مني الصوت مهزوز وضاغط. بصتلي بثبات، وقالت بصوت هادي نبرته صلبة كأنها بتحكم بالعدل: “النهارده أخر يوم ليا في الامتحانات الأسبوع الجاي.. وبابا الله يرحمه كمل أربعين يوم. أختي بدأت تفوق من صدمتها الأولى، وأنا خلاص مش قادرة أكتم الجري\مة دي أكتر من كده جوايا.” قلبي سقط في رجليا، وحسيت بركبي بتخونني. بلعت ريقي بالعافية وقلت: “هدى أرجوكي.. بلاش تخربي البيت.. أنتي كده بتمــ,,ـــــوتي أختك! لو عايزة تنتقمي مني أنا مستعد لأي حاجة، اطلبي أي شرط بس بلاش أختك!”
ضحكت ضحكة ساخرة، ضحكة خالية من أي طعم، وقالت: “أنت لسه بتفكر في نفسك وأختي؟ أنت فاكر إنك تقدر تشتري السكوت؟ أنا مش متصلة بيك عشان أفاوضك.. أنا جيت أقولك إن أختي وهي راجعة النهاردة، أنا هقعد معاها، وهحكيلها كل حاجة من أول ما وقفتلي قدام بوابة الجامعة لحد ما بابانا مات في العناية المركزة.” “هدى أرجوكي!” قربت منها وأنا بحاول أترجاها، بس هي رجعت خطوة لورا وشاورت بصباعها في وشي كأنه سيف: “إياك تقرب! أنت قدامك حل واحد بس لو عايز توفر على أختك قسوة الفضيحة والتفاصيل القذرة.”
أنا بصيتلها بذهول وأنا بتنفس بصعوبة: “حل إيه؟ قولي أي حاجة!” طلعت من شنطتها ورقة وقلم، وحطتهم على المكتب قدامي ببرود شديد، ونطقت بصوت جاف: “تكتب حالاً تنازل عن كل حقوقك، وتكتب ورقة طلاق لأختي.. وتلم هدومك وتختفي من حياتنا للابد من غير ما تشوف وشها تاني. تنازل عن كل حاجة، وتطلع من البيت ده كأنك ما كنتش. وقتها، أنا هقول لأختي إنك كتبت ده ومشيت لأنك راجل خاين ومبتحبهاش، وهحميك من إنها تعرف إنك كنت عينك عليا وإنك سبب مــ,,ـــــوت باباها.”
المعادلة كانت مرعبة؛ اختياري بين إني أتفضح كقاتل وخاين قدام كل العيلة وتتدمر أختها بالصدمة، أو إني أمضي على مــ,,ـــــوتي المدني، وأسيب حياتي وبيتي واسمي وأمشي وأعيش نكرة للابد تحت تهديد جريمتي. بصيت للورقة والقلم، وبعدين بصيت لعيونها الصلبة اللي مفيش فيها أي مساحة للتراجع. وفجأة.. سمعنا صوت مفتاح يدور في باب الشقة الخارجي، وصوت مراتي وهي بتفتح الباب وبتقول: “حبيبي.. هدى.. أنا رجعت!”
انقطعت أنفاسنا في الأوضة، وهدى بصتلي بنظرة أخيره، وحطت إيدها على مقبــ,,ـــــض الباب وقالت بصوت واطي ومسموع ليا بس:
“القرار قرارك في الثواني دي.. يا إما تطلع وتواجه الفضيحة كاملة، يا إما الموقف يتحسم حالا.” صوت خطوات مراتي وهي بتقرب من أوضة المكتب كان زي دقات السجل الأخير في حياتي. التوتر في الأوضة كان واصل لأقصى درجة، والوقت اتبخر في ثانية. عين هدى كانت متثبتة عليا بنظرة قاطعة، إيدها على مقبــ,,ـــــض الباب وجاهزة تفتحه وتنهي كل حاجة. بصيت للورقة والقلم على المكتب، وبعدين بصيت للباب. الأناني والجريء اللي حاول يهد بيته زمان اتبخر، وما فضلتش غير الحقيقة البشعة: أنا فعلاً بني آدم يدمر كل حاجة يلمسها، واستمرار وجودي في حياة الست دي جرم أكبر من الجري\مة الأولى.
مسكت القلم بإيد بتترعش بس حاسمة، وبسرعة كتبت ورقة التنازل عن كل مستحقاتي وبيتي، وكتبت إقرار الطلاق بخط أيدي. الورقة كانت وثيقة إدانتي ونهايتي، بس كانت الوسيلة الوحيدة اللي أحمي بيها مراتي من الحقيقة المرعبة اللي كانت هتقضي على البقية الباقية من عقلها. رميت القلم على المكتب وبصيت لـ هدى، صوتي خرج مكسور وميت: “الورق أهو.. احمي أختك من اللي أنا عملته، ومشوفش وشك تاني.” هدى سحبت الورقة بسرعة ودستها في شنطتها، ملامحها اتغيرت في ثانية ورجعت لبرودها، وقبل ما تفتح الباب قالتلي بصوت واطي: “أنت اخترت أقل الأضرار يا خاين.. اخرج من الباب ده وما ترجعش تاني.”
فتحت الباب وخرجت، ومراتي كانت واقفة في الصالة شايلة الطلبات وبتبتسم بجدية مجهدة: “إيه ده، أنتوا الاتنين جوة؟ مالكم واقفين كده ليه؟” هدى بصت لأختها، وبعدين بصتلي، ومسكت إيد أختها وقالت بجمود: “أبله.. استجمعي قوتك، الراجل ده سايبلك الورق ده على المكتب ومجهز شنطته ومقضي حياته معاكي كدب.. الراجل ده مطلقك وماش.” مراتي وقفت مكانها، الطلبات وقعت من إيدها على الأرض، وبصتلي بصدمة وذهول مش مصدقة اللي بتسمعه: “إيه؟ طلاق إيه؟ أنت بتقول إيه يا حبيبي؟ هدى إنتِ بتهزري؟!”
أنا ما قدرتش أرفع عيني فيها. ما قدرتش أنطق ولا كلمة ولا أدافع عن نفسي. خرجت من الأوضة وأنا شايل شنطة صغيرة فيها هدومي وبس، ومشيت ناحية الباب من غير ما أرد على صراخها وعياطها اللي كان بيشق السكون.
“امشي يا خاين!” صوت هدى كان هو الصوت الأخير اللي سمعته وهي بتسند أختها اللي وقعت على الأرض بتصرخ وبتبكي، مش عارفة إن الوجع ده، على قسوته، كان أرحم مليون مرة من الحقيقة اللي كانت هتدمرها لو عرفتها.
قفلت باب الشقة ورايا لأخر مرة. نزلت السلالم وأنا حاسس إن الشارع ملوش ملامح. خسرت كل حاجة: بيتي، مراتي، سمعتي، ونفسي. بقيت عايش في الدنيا زي الشبح، كل ما ألمس حاجة بتتحول لرماد. مرت السنين، وأنا عايش في شقة صغيرة بعيدة، مطرود من حياة عيلة كاملة بسبب شهوة وعمى عقل. كل يوم بالليل لما بقفل عيني، بفتكر نظرة هدى في العربية، وصوت أجهزة العناية المركزة لما أبوهم مات، وعياط مراتي وأنا خارج من الباب.
عرفت متأخر أوي إن العقاب مش دايماً بيكون سجــ,,ـــــن أو فضيحة قدام الناس.. العقاب الحقيقي هو إنك تعيش باقي عمرك هربان من نفسك، وشايل ذنب ملوش مغفرة.