منوعات

بنتي 1

بنتي الصغيره كانت بتلعب مع اخوها فزقته بالغلط وقع من الشباك ، من يومها وابوها بيكرها جدا ورافض يعمل حاجه علشانها واخر حاجه طلب مني طلب مستحيل يجي في خيال اي اب في الدنيا ؟؟؟

في يوم من الايام كانت حياتنا مستقرة وهادية لأقصى درجة. أنا وعصام جوزي ربنا رزقنا بـ”نور” عندها عشر سنين، و”يوسف” سبع سنين. عصام كان أب حنين وبيحبهم فوق الوصف، مابيرفضلهومش طلب واللي يطلبوه يجي لحد عندهم. بس بصراحة، يوسف كان حتة من قلبه زيادة حبتين، دايما يقولي: “ده العزوة والراجل اللي هيشيل اسمي”، بس عمره ما بين كده قدام نور ولا جرح مشاعرها يوم، كان قاسم العدل بينهم في المعاملة والفسح والهدايا.

​الولاد كعادة أي إخوات كان بيمــ,,ـــــوتوا في بعض، بس برضه لازم الخناقات اليومية . يتخانقوا على لعبة، او مين يقعد جنب بابا، أو السؤال المعتاد اللي يضحك: “ماما.. إنتي بتحبي مين فينا أكتر؟”، حاجات طفولية تخلي الواحده تنسى الهم بشقاوتهم. ​لحد ما جه اليوم الأسود اللي غير حياتنا وقلبها جحيم..

​كنت في المطبخ بجهز الغدا، وسمعت صوتهم بره في الصالة. كانوا وافقين على الكنبة اللي تحت شباك الصالة، عمالين يتنططوا ويهزروا. في الأول كان هزار ويدفعوا بعض، وبعدين الهزار انقلب لجد وخناقة زي العادة، وكل واحد يصرخ في التاني ويقوله: “انزل انت الأول!”. أنا سمعت صوت زعيقهم، خرجت من المطبخ بملل . ​أول ما حطيت رجلي في الصالة، اتجمدت مكاني.. شفت آخر حاجة ممكن عقل يتخيلها. يوسف كان زق نور، فنور بطفولة وغضب زقته هي كمان عشان تردها له.. بس العافية خانتها، ويوسف اختل توازنه، ولقيته بيتطوح لورا ووقع من الشباك!

وجريت على الشباك كأني هلحقه في الهواء، بس إحنا في دور عالِ.. يوسف على الأرض، في الحال. ​البيت اتقلب في ثواني، وأنا كنت حرفيًا، مش مصدقة إن ابني حبيب قلبي راح في لحظة. بس وسط ، لفت نظري نور.. البنت كانت بتنهار ومبتوقفش رعشة مش طبيعية، بتصرخ وتقول: “أنا .. أنا اللي زقيته يا ماما.. أنا !”. عليها أكل قلبي، أخدتها في حــ,,ـــــضني وبقيت امسح على رأسها وأقولها: “اهدي يا نور.. ده قضاء الله يا بنتي، انتي متقصديش، اهدي عشان خاطري”.

​المصيبة الأكبر بدأت أول ما عصام عرف باللي حصل ورجع البيت. دخل زي المجنون، عيونه كانت  بيتطاير منها، وأول ما شاف نور جري عليها وكان عايز يخنقها بإيديه وهو بيصرخ: “.تيه! .تيه يا بت الكلب!”. الناس والجيران اتلموا بالعافية ومسكوه بالعافية، وأنا مسكت نور اللي كانت خلاص أغمى عليها من بين إيديا. ​أخدت البنت وجريت بيها على  وقفلت عليها بالمفتاح، والناس بره عمالين في عصام اللي كان صوته جايب آخر الشارع. كانت أكبر من قدرة أي حد على الاستيعاب.

​عدت الأيام.. كنت حاطة إيدي على قلبي، وممنية نفسي إن عصام هيهدى مع الوقت. أقول في بالي ده راجل عاقل، وهيقول دي طفلة مكملتش عشر سنين ومش فاهمة حاجة وأكيد متقصدش أذية أخوها. بس اللي حصل كان العكس تمامًا.. القسوة في قلبه كانت بتزيد كل يوم.

​بقى يبصلها بنظرات كره تخوف، نظرات تخلي البنت تترعش وهي واقفة. لو قعدنا ناكل ونور حطت اللقمة في بقها وشافته باصلها، اللقمة تقف في زورها، تسيب الأكل وتقول بصوت خايف: “الحمد لله”، وتجري تستخبى في أوضتها. عصام بقى يدخل البيت من غير ما يبص لها، بطل يحــ,,ـــــضنها زي زمان، بطل يكلمها كلمة واحدة، ولو احتاجت أي حاجة للمدرسة ومصاريف، يقولي بقرف: “جيبي لها انتي اللي عايزاه”، ويرمي الفلوس على الترابيزة ويمشي.

​البنت كانت بتقعد في بالليل تبكي بدموع  القلب وتقولي: “يا ماما بابا .. بابا مش عايزني”. وأنا من جويا وأمسح دموعها وأكذب عليها وعلي نفسي: “لا يا حبيبتي، بابا بس زعلان ومقهور على يوسف، بكرة يهدا ويرجع يحبك زي الأول”. ده الكلام اللي كنت بصبر بيه البنت، وبصبر بيه نفسي عشان أقدر أكمل. ​كنت دايما أروح لعصام وأتحايل عليه: “استغفر ربنا يا عصام، ده قضاء وقدر، الاتنين ولدنا! ابننا عند ربنا، انت عايز تجنن البنت؟ عايزنا نخسر الاتنين في غمضة عين؟”. كان يسكت وميردش، بس النظرة اللي في عينيه كانت بتقول إن النــ,,ـــــار اللي جواه مهتتطفيش.

ل​حد ما جت السودا إياها.. ​عصام اتأخر جدا بره البيت، ورجع في نص الليل. أنا من كثر القلق والتعب، كنت نايمة على الكرسي في الصالة ومستنياه. أول ما فتح الباب ودخل، صحاني بصوت غريب.. صوت هادي زيادة عن اللزوم، بس هدوء . ​بصلي وقال بقسوة وبرود ممرتش عليا قبل كده: “البنت دي خلاص.. وجودها في البيت ده بقى وما بقتش قادر أتحمله، وأنا لقيت الحل المناسب لموضوعها”. ​أنا اتعدلت في قعدتي وقلبي اتنفض من الخوف، سألته بذهول: “حل إيه يا عصام؟ تقصد إيه؟”.

​واللي قالهولي وقتها.. مستحيل  على بال أي أب، ولا أي بني آدم فيه ذرة رحمة على وش الأرض!!!! وقف عصام قدامي، ملامحه كانت متجمدة زي صخر مابيوصلوش شعاع شمس، وعينيه فاضية تمامًا من أي مشاعر إنسانية. قرب مني بخطوات بطيئة، ودخل إيده في جيبه وطلع ورقة مطوية ورماها على الترابيزة قدامي. بصيت للورقة بذهول  قلبي كانت مسموعة في الصالة الفاضية، سألته بصوت بيرتعش: “إيه دي يا عصام؟ ورقة إيه دي؟”.

رد عليّ بنبرة جافة وميتة: “دي استمارة تقديم لدار أيتام ورعاية في المحافظة اللي جنبنا.. أنا اتكلمت مع مدير الدار، وهياخدوها هناك بحجة إن مالهاش عائل أو إننا مش قادرين نتكفل بيها.. الورقة دي هتوقعي عليها معايا بكره الصبح، والبنت دي قبل ما الشمس تطلع تكون بره البيت ده، ومشوفش وشها هنا تاني لأخر يوم في عمري!”.

الكلام ينزل عليا زي ، حسيت الأرض بتلف بيا والجدران بتتساقط فوق رأسي. قمت وقفت بحركة جنونية ومسكت في قميصه وأنا بصرخ بذهول: “أنت اتجننت؟! دار أيتام إيه اللي تروحها بنتك؟! دي بنتك يا عصام! نور.. حتة منك ومن ! أنت عايز ترمي بنتك الوحيدة في الشارع علشان مقدرة ومكتوبة؟!”.

زق إيدي  وببرود ، وقال وهو بيجز على أسنانه: “دي مش بنتي! دي اللي ابني.. دي المجرمة اللي حرمتني من نَفَس يوسف في الدنيا! كل ما بص لوشها بشوف يوسف وهو بيقع، كل ما أسمع صوتها بفتكر صريخه! أنا مش قادر أتنفس وهي في البيت ده، ولو فضلت هنا يوم كمان.. أنا ممكن بإيديا يا فضل، افهمي بقا!”. بقيت وأترجاه وأبوس على إيده: “أبوس إيدك يا عصام بلاش.. عشان خاطر ربنا بلاش تعمل في البنت كده، البنت بتفوت في كوابيس كل ليلة وتصحي ، البنت ضاعت خلاص ومفضيلهاش في الدنيا غيرنا.. لو رميناها !”.

لكنه كان قاسي أكتر من الحجر، سابني وطلع على وقفل الباب بالمفتاح ورادد عليّ من جوه: “قدامك للصبح، لو أصحى ألاقيكي موقعة على الورقة ومجهزة شنطتها، يا إما تطلعي بره البيت معاها وما ترجعيش تاني أبداً!”. قعدت على الأرض في الصالة وأنا بانهار، الدموع كانت نازلة وشي، حاسة بإحساس عجز ما فيش أم في الدنيا تتحمله. إزاي أب يوصل بيه إنه يرمي بنته في دار أيتام؟ إزاي أختار بين جوزي وبيتي، وبين بنتي الطفلة اللي ملهاش ذنب في الدنيا غير إنها كانت بتلعب مع أخوها؟

وفجأة.. وأنا في قمة الخافت، سمعت صوت حركة خفيفة ورايا. اتلفت بسرعة بدموعي.. لقيت باب  مفتوح حتة صغيرة، ونور واقفة وراه. البنت كانت سمعت كل كلمة! كانت وافقة من ، كله بيرتعش، ودموعها نازلة على خدودها الصغيرين من غير ما تطلع صوت واحد. نظرتها ليا كانت ذابحة.. نظرة طفلة بتفهم إن أبوها  وإن حياتها انتهت.

جريت عليها وأنا بصوت مكتوم وأخدتها في حــ,,ـــــضني، بقيت أضمها لصدـ,,ـــري بأقوى ما عندي كأني بحميها من العالم كله. نور حطت رأسها الصغيرة في رقبتي وقالتلي بصوت متقطع وبصعوبة شديدة من كتر : “ماما.. هو بابا هيرميني؟ هو أنا وحشة أوي كده؟ والله العظيم يا ماما ما كان قصدي .. والله كنت بهزر معاه.. قوليلو يسامحني وأنا مش هطلب منه حاجة تاني، مش هخليه يشوف وشي خالص.. بس بلاش يرميني يا ماما!”.

الكلام كان ألف مرة في اللحظة. بقيت أمسح على رأسها وأبوس إيديها وأنا بدمع: “محدش هيرميكي يا نور.. طول ما أنا حية على وش الأرض محدش يقدر يبعدك عني.. اهدى يا حبيبتي، اهدى يا قلب أمك”. فضلت طول الليل، نور ما نامتش ولا دقيقة، كانت ماسكة في بأصابعها الصغيرة كأنها خايفة لو غمضت عينها تصحى تلاقي نفسها في الشارع. والليل كان بيمر بطيء وقتال، وكل دقيقة بتعدي بت قربنا من الصبح.. ومن القرار اللي هيدمر حياتنا للأبد.

مع أول خيوط الفجر، سمعت صوت حركة عصام جوه . قلب اتنفض، وعرفت إن لحظة المواجهة جِت. قمت وقفت ونور ماسكة في ذيلي خايفة ترتعش. خرج عصام من الأوضة، كان لابس وجاهز للخروج. بص للورقة اللي على الترابيزة وبصلي بنظرة خالية من أي رحمة وقال: “ها.. وقعتي على الورقة؟ ولا أطلبلك تاكسي تاخدي البنت وتغوري معاها؟”.

بصيت له في عينيه بقوة عمري ما عرفت أكسَبها غير في اللحظة دي، وعرفت إن الراجل اللي حبيته وعشت معاه سنين خلاص مات، وإن اللي واقف قدامي ده غريب وقاسي.. مسكت الورقة من على الترابيزة، وفي لحظة.. شقيتها نصين، وبعدين أربعة، وراميتها في وش عصام! عصام اتصدم وعينيه وسعت من الغضب، بس قبل ما ينطق كلمة واحدة، وقفت قدامه ورأسي مرفوعة وأنا بكتم دموعي وقلت له بصوت حاسم يزلزل الصالة: “أنا مش هرمي بنتي يا عصام.. ومش هسمحلك اللي فاضل من عيلتنا.. لو مش قادر تبصلها، لو قلبك بقى حجر للدرجة دي.. يبقى أنا وهي هنمشي!”.

عصام بصلي بذهول وقال بصوت مليان غل: “أنتِ بتختاريها هي عليّ يا فضل؟ بتبيعي جوزك وعيلتك عشان اللي ابنك؟”. رديت عليه وأنا باخد نور في حــ,,ـــــضني: “أنا بختار الضمير والرحمة يا عصام.. يوسف الله يرحمه ابننا بقضاء ربنا، لكن نور حية ومحتاجانا، وأنت عايز وهي صاحية! أنا ماشية.. بس افتكر كويس، إنك أنت اللي اخترت تخسرنا إحنا الاثنين، وأنت اللي قفلت الباب في وشنا!”.

دخلت بسرعة، لميت  نور في شنطة واحدة صغيرة، والبنت كانت بتتفرج عليّ وهي مش فاهمة إحنا رايحين فين، بس عينيها كانت مليانة خوف من المستقبل. مسكت إيدها وخرجنا من . عصام كان واقف في الصالة مديني دهره، مابصلناش ولا نطق كلمة واحدة ولا حتى حاول يوقفنا.

فتحت باب ، وبصيت للمكان اللي عشت فيه أجمل أيام حياتي يتحول لخرابة في ثواني. أخدت بنتي ونزلنا على السلم والدموع مغمية عينيا، مش عارفة هروح فين ولا هنعمل إيه، ولا أختي أو أهلي هيستقبلونا إزاي، لكن كل اللي كنت عارفاه في اللحظة دي.. إنني أنقذت بنتي من جحيم أبوه، وركبت التاكسي وأنا مش عارفة إن اللي مستنينا بره البيت ده.. كان أصعب بكتير من اللي سبناه وراينا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى