جام في عروقي وأنا شايفه لسان المفتاح بيلف في القفل ببطء . الصوت كان بيقطع هدوء الليل زي . المفتاح القديم اللي محمود نسي ياخده منها يوم ما ، كان هو اللي راجعة بيه. عقلي اتمسح من الخوف، وبصيت ورايا على الشقة الضلمة.. بنتي منى نايمة جوا في ، وحماتي في اللي تحت ومش هتحس بحاجة إلا لو ملأ البيت. بسرعة ومن غير ما أعمل أي صوت، زحفت ناحية الباب ودبيت كتفي بكل قوتي في الخشب وأنا بلف المقبض للعكس وبأقفل اللسان الداخلي للترباس. خديجة بره حست بالترباس بيعشق، وسمعت صوت تكتكة المفتاح وهي بتتوقف.
لحظة صمت مرعبة مرت بينّا.. مفيش غير صوت أنفاسنا إحنا الاثنين، أنا ورا الباب وهي قدامه. وفجأة، الباب اتهز بهبدة هيستيرية خلت الخشب يتكتك! خديجة بدأت تض.رب الباب برجلها وإيدها زي الممسوسة، وصوتها طلع مخنوق ومرعب من ورا الخشب: “افتحي يا نوال! افتحي يا ! فاكرة إن محمود لما يطردني خلاص كده انتهت؟! أنا جاية أخد حق آدم.. مش هسيبك تهني ببنتك وأنا ابني تحت التراب!”. منى صحيت من النوم مرعوبة، وبدأت تعيط وتصرخ: “ماما! ماما!”.
عياط البنت كان زي الموتور اللي حرك جسمي. جريت على الأوضة، شلتها في ح.ضني وأنا إيدي الشمال ماسكة المطبخ وإيدي اليمين ضامة البنت لصدري. بصيت حواليا في الأوضة، مفيش غير بلكونة الشقة، بس البلكونة بتطل على الشارع الخفي ومرتفعة في الدور الثالث.. الارتفاع اللي بيشيل حركتي ويمو.تني من الر.عب! صوت هبد الباب كان بيزيد، وخديجة بدأت تستخدم حاجة ثقيلة بتهد بيها المقبض، صواريخ خشب بتتكسر وسنون القفل بدأت تخلع من الحيطة. هي أدامها دقيقة بالظبط وتكون جوا الشقة.
جريت على بلكونة الصالة. فتحت الباب الزجاج بسرعة، وعلى طول الرعب القديم ض.رب في ركبي. بصيت لتحت.. الشارع كان ضلمة والأرض بعيدة، والدوخة مسكت في دماغي، والسور القصير بتاع البلكونة خلى قلبي يقع في رجلي. “يا حماتي! يا ناس! الحقوني! خديجة “ صرخت بعلو صوتي في الشارع، بس الوقت كان متأخر جداً والشارع فاضي ومحدش سمعني في بيت العيلة العملاق. في اللحظة دي، سمعت صوت القفل وهو بيتكسر بالكامل، وباب اترزع في الحيطة!
خديجة دخلت الشقة. ملامحها كانت زي شياطين الأرض، هدومها متوسخة، شعرها منكوش، وعيونها جاحظة ومفيهاش ذرة عقل. كانت ماسكة في إيدها “سيخ حديد” مروّس ومصدي من بواقي البناء بتاع السطح. أول ما شافتني واقفة عند باب البلكونة ومسكة البنت، ابتسمت ابتسامة سودا، وبدأت تقرب مني بخطوات بطيئة، والحديد بيتحك في أرضية السيراميك وبيعمل صوت يضرّس. “هربانة للشارع؟” خديجة قالتها ونبرتها هادية زي السم: “هترمي نفسك أنتِ والبنت من البلكونة؟ ولا استنى لما الفوبيا تدوخك وتقعي أنتِ وهي لوحدكوا؟”.
أنا كنت محشورة في الزاوية بين سور البلكونة وبين خديجة اللي سادة عليا منفذ الخروج الوحيد . الارتفاع من ورايا، والمو.ت بالحديد قدامي. “خديجة استهدي بالله..” بليت ريقي بالعافية وأنا برجع ظهري لسور البلكونة، ومحاوطة بنتي بكتفي: “ربنا يعوض عليكي، آدم مات بقضاء وقدر، أنتي عارفة إن قلبي اتقطع عليه، والله العظيم مكنش بإيدي! أنتي شفتيني بعينك وأنا بمو.ت من الخوف على السلم!”.
“سسسسسسوه!” خديجة صرخت وفجأة هجمت خطوة لقدام ورفعت السيخ الحديد: “مات بقضاء وقدر عشان أمه ملهاش قيمة في البيت ده! لكن بنتك عايشة وبتاكل وبتضحك! مش هسيبك تتربيها يا نوال.. زي ما اتكتب عليا أعيش محروقة، هحرق قلبك حالا!”. خديجة ض.ربت بالسيخ الحديد بقوة في اتجاهي! أنا تفاديت الض.ربة بالعافية، فالحديد خبط في سور البلكونة وطلع شرار ورخام السور اتكسر منه جزء. صرخة منى هزت المكان. مكنش قدامي غير حل واحد.. مسكت اللي في إيدي بكل قوة، وبدون ما أفكر ض.ربت بيها إيد خديجة اللي ماسكة الحديد. ذراعها، السيخ وقع منها على أرض البلكونة وعمل صوت مكتوم.
خديجة اتوجعت وصرخت بصوت جنوني، وبدل ما تتراجع، الغل عماها تماماً.. هجمت عليا بجسمها كله! اتسحلنا إحنا الاثنين على أرضية البلكونة. خديجة مسكت في شعري وبقت تضغط على بإيدها الشمال، وفي نفس الوقت كانت بتحاول تمد إيدها اليمين عشان تسحب بنتي منى اللي كانت بتصرخ ومكلبشة في رجلي. أنا كنت بنخنق.. الهواء اتمنع عن صدري، عيوني بدأت تزغلل والدوخة زادت، بس منظر إيد خديجة وهي بتقرب من فستان منى صحى جوايا طاقة . جمعت كل القوة اللي فاضلة في جسمي، ومسكت خديجة من وسطه، وقمت بيها بجنون.. دفعنا بعضنا وظهرنا خبط في سور البلكونة القصير!
الض.ربة كانت قوية لدرجة إن نص جسم خديجة ونصف جسمي بقي معلق في الهوا فوق الشارع! أنا شفت الشارع تحتيا زي البئر الغريق.. الفوبيا شلتني تماماً في أفظع لحظة ممكنة. رأسي لف والأرض كانت بتنادي عليا، وإيدي ارتخت من على جسم خديجة. خديجة، من كتر جنونها، مكنتش خايفة من الارتفاع، كانت حاطة كل تركيزها إنها تزقني أنا وبنتي لورا عشان نقع إحنا الثلاثة سوى! “هنقع كلنا! كلنا يا نوال!” خديجة كانت بتصرخ بالضحك وهي بتدفع بجسمها عليا لبرة السور.
في اللحظة القاتلة دي.. لحظة ما رجلي الاثنين سابوا أرضية البلكونة وجسمنا بدأ يميل لبرة الفراغ.. سمعت صوت خبط شديد وخطوات تقيلة بتجري جوا الشقة، وصوت حماتي بيصرخ بعلو صوتها من باب الصالة: “يا نوال! يا محمود الحق!” وفي جزء من الثانية قبل ما نسقط في الفراغ، ظهرت إيدين قوية ضخمة خرجت من باب البلكونة، ومسكت في قماش عبايتي وشدتني لجوا بكل قوتها، وإيد تانية سحبت منى من رجلها لبرة منطقة الخطر! كان محمود! محمود كان راجع من السفر بدري وقابل حماتي على السلم وهما طالعين يشوفوا الصوت.
محمود شدني أنا وبنتي لداخل البلكونة، وأنا وقعت على السيراميك بنهج ومغمى عليا تقريباً من الرعب والارتفاع.. بس خديجة، بسبب اندفاعها المجنون لبرة السور وإيدها اللي سابتني فجأة لما محمود شدني.. فقدت توازنها تماماً! شفتها في اللحظة الأخيرة.. عيونها اتوسعت من الصدمة لما لقيت نفسها لوحدها في الهواء. مكنتش لحقت تمسك في السور. خديجة صرخت صرخة طويلة مرعبة.. ونزلت من أعلى الدور الثالث! صوت السقوط على أرضية الشارع تحت كان زي .. هدوء تام ساد المكان بعدها.
محمود أخدني أنا وبنتي في ح.ضنه وهو بيترعش وبيبكي بصوت عالي، وحماتي كانت بتصرخ وهي بتبص من البلكونة لتحت. أنا أخيرًا قدرت أتنفس.. رفعت راسي، شفت بنتي سالمة في ح.ضني، وعرفت إن الكابو.س انتهى.. بس لما محمود نزل الشارع يستكشف الوضع، ورجع وشّه أصفر زي الورقة، اكتشفنا المفاجأة اللي خلت الكل يقف مذهول.. خديجة مكنتش ماتت! جسدها وقع على سيارة نقل محمّلة بكراتين وقماش كانت متوقفة بالصدفة تحت البلكونة بالظبط، وده أنقذ حياتها من المو.ت المباشر.. بس الإصابات كانت مد.مرة.
بعد شهرين كاملين.. الشرطة أخدت أقوال الكل، والتحريات وتقرير المعاينة وأثر الكسر على الباب والأدلة أثبتت الشروع في واقتحام منزل. خديجة خرجت من المستشفى وهي مصابة بفلج كامل في الجزء السفلي من جسمها، كرسي متحرك بقت معتقلة فيه لبقية حياتها، وصدر ضدها حكم المشدد. أنا ومحمود وبنتنا سيبنا بيت العيلة تماماً. نقلنا لشقة صغيرة في دور أرضي.. دور أرضي مفيش فيه سلم ولا ارتفاعات ولا بلكونات عالية. النهاردة، وأنا قاعدة في جنينة الشقة الأرضية، وبصيت لبنتي “منى” وهي بتجري على النجيل الأخضر وتضحك.. حسيت إن الروح رُدت لي من جديد.