مراتي كل يومين تقولي ابعت لامك خليها تيجي تساعدني انا تعبانه، ولما امي تيجي تقولها والله يا حماتي انا كويسه بس ابنك اللي اصر تيجي تخدمينا ، مكنتش ارضى اتكلم علشان محرجهاش بس وقفتها عند حدها بطريقه جننتها !!
من أول يوم اتجوزت فيه، وأنا عايش في حيرة مش فاهمها. طول عمري أسمع إن الحما هي اللي بتبقى مش طايقة مرات ابنها، وبتمسكلها على الواحدة، بس اللي حصل معايا كان العكس تماماً. من أول ما غادة دخلت بيتي، وأنا حاسس إنها مش طايقة أمي، ولا بلعاها، مع إن أمي ست في حالها، طيبة، ومسالمة لأقصى درجة، عمرها ما دخلت بيننا ولا قالت كلمة تضايقها.
كانت معاملة غادة لأمي دايماً فيها جفا وغرور مش مبرر. لما أمي تفكر تطلع شقتنا -لانها ساكنة معانا في نفس البيت تحت مننا- كنت ألاقي غادة تدهل الاوضه وتقولي بمنتهى البرود:
«اطلع قولها إني نايمة مش قادرة أستقبل حد». كنت بتخنق جداً من الحركات دي، وبحس بغصة في قلبي على أمي اللي طالعة
بحسن نية، بس كنت ببلع زعلي وأسكت. أعدي وأقول بلاش مشاكل، ومش عايز أعمل هيصة عشان محدش من أهلي يفتكر إن أمي بتسلطني عليها أو إنها سبب في أي خناقة بيننا.
بس الكلام ده كله كان كوم، واللي حصل بعد ما غادة حملت كان كوم تاني خالص.
من أول ما عرفت إنها حامل، وبدأت المشاكل الحقيقية اللي تكشف الوش التاني. بقت كل يومين تتقلب، وتبكي وتبين إنها أضعف خلق الله ومش قادرة تقف على حيلها. تبصلي بدموع وتقولي: «معلش يا حبيبي.. انزل قول لأمك غادة تعبانة أوي ومش قادرة، وعايزاكي تطلعي تروقي معاها وتساعديها عشان الشقة مكركبه».
أنا ساعتها كنت بستغرب جداً، وأقولها : «طب يا حبيبتي، إنتي عارفة إن أمي ست كبيرة، وعندها غضروف في ظهرها وخشونة في ركبها، بالعافية بتتحرك في شقتها.. هتساعدك تعمل إيه بس؟ اتصلي بأختك أو مامتك ييجوا يشيلوا معاكي يومين».
تترسم على وشها ملامح الحزن والمسكنة وتقولي: «مش هييجوا يا محمود.. أختي ثانوية عامة ومش فاضية وخايفة على مستواها، وماما تعبانة.. معلش يا حبيبي هي ساعتين بس تروق معايا الشقة».
كنت بنزل لأمي وأنا مكسوف منها، رجلي تقيلة على السلم، والكلمة بتطلع بالعافية من بقي. أقولها وأنا باصص في الأرض: «معلش يا أمي.. غادة تعبانة شوية ومحتاجة مساعدة».
أمي من غير ما تفكر لحظة ولا تشتكي، تبتسم وتقولي: «من عينيا يا بني،».
أول ما أمي تدخل من باب الشقة، تلاقي غادة قايمة واقفة، بقمة الصحة والنشاط، وتبص لأمي بابتسامة ناعمة وتقولها: «والله يا طنط أنا بنضف واطبخ واعمل كل حاجه لوحدي . بس هو محمود ابنك اللي أصر يناديلك! عمال يقولي إنتي متتعبيش نفسك خالص خلي أمي تشتغل بدالك!».
أنا كنت بقف متسمر في مكاني من الصدمة! عينيا تطلع لبرة.. إزاي تطلعني قدام أمي إني خايف على تعب مراتي ومفرط في تعب أمي وصحتها؟ إزاي بتقلّب الكلام وتكذب بالبجاحة دي؟
بس برضه، مكنتش بقدر أتكلم ولا أفتح بقي قدام أمي عشان مأكبرش الموضوع وأعمل مشكلة على الفاضي. أمي كانت تبتسم بهدوء، وتطبطب عليها وتبدأ تشتغل وتساعدها وهي ساكتة.
بعد ما أمي تخلص وتنزل شقتها، كنت أروح لغادة وأنا بغلي: «ليه بتقولي لأمي كده؟ هو أنا اللي أصرّيت ولا إنتي اللي بتبكي وتتحايلي عليا أنزل أناديلها؟».
ترد بكل برود وتدليل كذاب: «وفيها إيه يا حبيبي؟ أنا بقول كده عشان مكسوفة منها إنها بتساعدني، إنما إنت ابنها عادي لما تقول كده مش هتزعل منك!».
الموضوع اتكرر مرة وتنين وتلاتة.. وبقت عادة. والأسوء من كده، إن غادة بقت تطور في أسلوبها.
بقت تلمح لأمي قدامي وتزيد في الكلام: «شفتي يا طنط؟ محمود بيقولي ارتاحي خالص وماما تخدمنا هي مش غريبة!». وما اكتفتش بكده، بقت تقعد وتمد رجلها على الكنبة، وكل شوية تؤمر أمي بأسلوب أصفر: «وانبي يا ماما املي الكوباية دي.. وانبي يا ماما سوي الأكل ده.. وانبي يا ماما امسحي الزاوية دي!». أمي بدل ما كانت بتيجي تساعد ساعة، بقت بتيجي تخدم الشقة كلها من الإبرة للصاروخ.
وبرضه عمرها ما اشتكت، ولا فتحت بقها بكلمة، عشان كانت خايفة على الحمل وعلى زعلي، بس كان باين عليها التعب ركبها كانت بتتورم، وكانت تقعد على الكرسي بالعافية وهي بتستغفر.
لحد ما جه اليوم اللي طفح فيه الكيل، وما بقاش ينفع أسكت أكتر من كده.
دخلت البيت في يوم، لقيته مقلوب رأساً على عقب، وأمي واقفة في الحمام بتغسل السجاد التقيل بتاع الصالة! سجاد تقيل جداً أمي بظهرها ده بتغسله بفرشة على الأرض! أنا اتصدمت، الدم غلي في عروقي وبقيت مش شايف قدامي. بصيت لغادة وقلتلها بصوت مكتوم من الغضب: «هو إحنا من امتى بنغسل سجاد في البيت؟
مش السجاد ده بيروح المغسلة؟».
ردت عليا ببرود يستفز الصخر: «أصل يا حبيبي وديته المغسلة ورجع برده حاسة فيه غبار، وأنا في شهور الحمل دي مش مستحملة أي تراب خالص عشان نَفَسي!».
في اللحظة دي، حسيت بحد سكاكين بتمزق في قلبي. أمي الكبيرة المريضة واقفة توطي وتدعك سجاد تقيل، والهانم قاعدة حاطة رجل على رجل وبتاكل فاكهه ومش بتساعد بحجة الغبار! هنا أنا أخدت قرار حاسم.. المهزلة دي لازم تقف، والمهانة دي لازم يتاخد فيها موقف اللي يرّجع لكل واحد حجمه الطبيعي.
بلعت غيظي، وتمالكت نفسي بالعافية، وبصيت لغادة وابتسمت ابتسامة مفيهاش أي معالم للغضب وقلتلها:
«تمام يا حبيبتي.. إنتي عندك حق، صحتك وصحة اللي في بطنك أهم حاجة».
بعد نص ساعة بالظبط، طلعت من جيبي المبلغ اللي كانت بتمـ,ـوت وتأخده عشان تشتري حاجات البيبي اللي بقالها شهر تتحايل عليا عشانه. أديتهولها وقلتلها بصوت هادي: «امسكي يا غادة.. انزلي دلوقتي هاتي كل لبس البيبي والحاجات اللي نفسك فيها، ومتستخسريش في نفسك حاجة».
عينيها لمعت من الفرحة، ونسيت التعب والمرض والحمل في ثانية. قامت جرت غيرت هدومها، ونزلت وهي طايرة من الفرحة، مش مصدقة إن محمود نفذ لها طلبها بالسهولة دي.
بعد حوالي تلات ساعات، رجعت غادة البيت. كانت شايلة أكياس وشنط كتير ومبتسمة .
حطت المفتاح في الباب، وفتحته وهي بتنادي بضحكة عالية: «محمود! أنا جيت يا حبيبي واشتريت حاجات تجنن للـ…».
الكلمة اتجمدت في حلقها!
أول ما خطت جوة البيت، وعينها وقعت على الشقة.. الشنط والأكياس كلها وقعت من إيدها وجسمها كله اتجمد في مكانه من الصدمة!
وقفت غادة مكانها كأن حد سكب عليها تلج. عينيها وسعت بشكل مرعب، ولسانها اتربط، ومش قادرة تنطق ولا حرف.
قدامها كانت أمها الكبيرة، اللي طول عمرها تقول إنها تعبانة ومش قادرة تتحرك، لابسة المريلة، وواقفة ماسكة المقشة بتكنس الصالة.
وأختها… اللي كانت كل مرة تقول إنها في ثانوية عامة ومش فاضية، كانت قاعدة على الأرض بتفرك السجاد بمنتهى النشاط.
وفي البلكونة، البطاطين والملايات متعلقة بتنقط مية، واضح إنها لسه متغسولة من شوية.
أما أنا… فكنت قاعد على الكنبة بكل هدوء، ماسك كباية الشاي، وبقول بابتسامة:
“الله يبارك فيكم… كملوا يا جماعة، ولسه المطبخ محتاج يتروق كويس. غادة تعبانة اليومين دول ومبتقدرش تعمل أي حاجة.”
أمها بصتلي وقالت بابتسامة: “ولا يهمك يا ابني… دي بنتنا، وواجب علينا نخدمها.”
قلت وأنا بهز راسي:
“ربنا يخليكم ليها… أنا فعلاً ارتحت لما جيتوا.”
غادة كانت واقفة فاتحة بقها، مرة تبصلي، ومرة تبص لأمها، ومرة لأختها.
وفجأة صرخت: “إيه اللي بيحصل هنا؟!”
أمها استغربت وقالت: “في إيه يا بنتي؟”
قالت بعصبية: “إنتوا بتعملوا إيه هنا؟!”
أختها ردت ببساطة: “بننضف الشقة.”
“مين اللي قالكم تيجوا؟”
أنا حطيت كباية الشاي على الترابيزة وقولت بمنتهى الهدوء: “أنا.”
أنا حطيت كباية الشاي على الترابيزة وقولت بمنتهى الهدوء: “أنا.”
لفتلي بسرعة وقالت: “إنت؟”
ابتسمت وقولت: “أيوه… أنا اتصلت بمامتك الصبح.”
أمها قالت: “محمود كلمني وقال إنك تعبانة بقالك يومين ومش قادرة تعملي حاجة، وقاللي لو بتحبي بنتك تعالي ساعديها. قلتله طبعاً يا ابني… دي بنتي.”
بصيت لغادة وأنا ساكت.
لون وشها بدأ يتغير.
أختها كملت الكلام من غير ما تاخد بالها: “وأنا كنت ناوية أذاكر، بس أول ما ماما قالتلي أختك محتاجاكي، سيبت كل حاجة وجيت.”
غادة بدأت تتوتر وقالت: “طب… طب خلاص… كنتوا قولتولي.”
ضحكت وقلت: “ليه؟
مش دي نفس الظروف اللي كنتي بتقوليها؟ مامتك تعبانة… وأختك ثانوية عامة… صح؟”
ما ردتش.
كملت وأنا لسه محافظ على هدوئي: “الغريب إن أول ما أنا طلبت منهم، كلهم جم في أقل من ساعة.”
سكتت الشقة كلها.
حتى أمها بدأت تحس إن في حاجة مش طبيعية.
قالتلي: “هو في حاجة
يا ابني؟”
بصيتلها باحترام شديد وقولت: “مفيش يا طنط… بس كنت عايز أتأكد من حاجة.”
قالت باستغراب: “إيه هي؟”
قلت: “كنت كل مرة أقول لغادة تكلمكم تيجوا تساعدوها، كانت تقولي مستحيل… ماما تعبانة… وأختي مشغولة… ومحدش هيقدر ييجي.”
أمها قطبت جبينها.
لفت ناحية غادة وقالتلها: “إنتي كنتي بتقولي كده؟”
غادة حاولت تضحك: “أصل… أصل مكنتش بحب أتعبكم.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقلت: “غريبة… بس كنتي بتحبي تتعبي أمي.”
أول ما الجملة خرجت، الصمت نزل على المكان.
أمها بصتلي باستغراب وقالت: “يعني إيه؟”
خدت نفس طويل، وقررت إنها أول مرة أتكلم.
قلت: “كل مرة غادة كانت تقولي انزل نادي أمك تساعدني.”
“وأول ما أمي تطلع… تقولها قدامي: والله يا حماتي أنا كنت هعمل كل حاجة، بس ابنك هو اللي أصر إنك تيجي تخدمينا.”